به قام بعد الميل وانتصبت به * دعائم قد كانت على جرف هار
فلما أناخت بي على باب داره * مطاياي لم أذمم مغبّة أسفاري
نزلت بمغشيّ الرّواقين داره * مثابة طوّاف وكعبة زوّار
فكان نزولي إذ نزلت بمغدق * على المجد فضل البرّ عار من العار
أساغ على رغم الحواسد مشربي * وأعذب ورد العيش لي بعد إمرار
وأنقذني من قبضة الدهر بعد ما * ألحّ بأنياب عليّ وأظفار
جهلت على معروف فضلي فلم يكن * سواه من الأقوام يعرف مقداري
ولما انتهى إلى هذا البيت في الإنشاد ، قال - وأشار إلى جماعة من سادات البحرين - : وهؤلاء يعرفون مقدارك إن شاء اللّه تعالى .
على أنه لم يبق فيما أظنّه * من الأرض شبر لم تطبّقه أخباري
ولا غرو فالإكسير أكبر شهرة * وما زال من جهل به تحت أستار
متى بلّ لي كفّ فلست بآسف * على درهم إن لم ينله ودينار
فيا ابن الألى أثنى الوصيّ عليهم * بما ليس تثني وجهه يد إنكار
بصفّين إذ لم يلف من أوليائه * وقد عضّ ناب للورى غير فرّار
وأبصر منهم جنّ حرب تهافتوا * على النار إسراع الفراش إلى النار
سراعا إلى داعي الحروب يرونها * على شربها الأعمار مورد أعمار
أطاروا غمود البيض واتّكلوا على * مفارق قوم فارقوا الحقّ كفّار
وأرسوا وقد لاثوا على الرّكب الحبى * بروكا كهدي أبركوه لجزّار
فقال وقد طابت هنالك نفسه * رضا وأقرّوا عينه أيّ إقرار
فلو كنت بوّابا على باب جنّة * كما أفحصت عنه صحيحات آثار
يشير إلى همدان ، وهي قبيلة من اليمن ، ينتهي إليهم نسب الممدوح ، وكانوا قد أبلوا يوم صفّين بلاء حسنا ، فروي أنهم في بعض أيامها حين استحرّ القتل ، ورأوا فرار الناس عمدوا إلى غمود سيوفهم فكسروها ، وعقلوا أنفسهم بعمائمهم ، وجثوا للرّكب ، وبركوا للقتل ، فقال فيهم أمير المؤمنين ، كرّم اللّه وجهه : [ الطويل ]
لهمدان أخلاق ودين يزينها * وبأس إذا لاقوا وحسن كلام « 1 »
فلو كنت بوّابا على باب جنّة * لقلت لهمدان ادخلوا بسلام
وقال فيهم يوم الجمل : لو تمّت عدّتهم ألفا لعبد اللّه حقّ عبادته .
وكان إذا رآهم تمثّل بقول الشاعر : [ البسيط ]
هامش
( 1 ) البيت في ديوان أمير المؤمنين علي كرم اللّه وجهه 51 .