فإذا نظرت إلى الوجود رأيتكم * في كل موجود عيان الخاطر
وله :
قد قسم الحب جسمي في محبتكم * حتى تجزى بحيث الجسم ينقسم
وما تصورت موجودا ومنعدما * إلا خيالكم الموجود والعدم
ما إن نثرت دموع القطر من حرق * إلا تحققتكم في القطر ما زعموا
« 123 » السيد أسعد بن البترونيّ
ريحانة جاذبتها أيدي الصّبا ، فلم تزل غضّة المهزّ من عهد الصّبا .
وحضرة عليها للجنان صور ، تشفّ عن كحل في عيون الغيد وحور .
صافي الطبع كالزجاج في نقائه ، منتظم العشرة كالسّلك إذا انتقي جوهره وجيد في انتقائه .
وهو في الأدب جامع نوادر وشوارد ، يزينها بجمال المشتري وظرف عطارد .
تعوّدت غصب العقول نكاته البديعة ، كأنّ لها عند كل قلب من قلوب الرجال وديعة .
وكنت وأنا بالروم نعمت بدنوّه ، ونسمت عليّ نسمات مودّته وحنوّه .
في عهد أشهى للجفن من لذّة هجوعه ، وألذّ من بشارة الشيخ بعوده لصباه ورجوعه .
وهو مع أنه جاوز العشرة التي تسمّيها العرب دقّاقة الرّقاب ، كثير التلفّت لجمع شمل اللهو والارتقاب .
إلى أن اعترضه آخر أمره مرض ، دام إلى أن انطوى عمره وانقرض .
وأحسب أنّ اللّه أراد به تكفير سيّئاته ، وتمحيصه من فرطات سلبت كثيرا من حسناته .
وقد أوردت من شعره ما أحدقت به المحاسن إحداقا ، ونبّه لزهرات الروض أعينا وأحداقا .
هامش
( 123 ) - السيد أسعد بن عبد الرحمن ، البتروني الحلبي ، الأديب ، البارع ، قرأ ودأب بموطنه ثم خرج في صباه إلى الروم فسلك طريق القضاء ، ودخل دمشق ، ومصر وحظي في دنياه كثيرا ، وسمت همته حتى ولي إفتاء الحنفية بحلب عن مفتيها العلامة محمد بن حسن الكواكبي مدة يسيرة ، وبعد ذلك ترقى في مناصب القضاء بالقصبات حتى ولي أرقاها ومات وهو معزول عن أزنكميد حيث ابتلي في آخر أمره بمرض المراقيا وعالجه مدة وكان بسببه كثير المراجعة للأطباء ، وكتب الطب حتى صار له في الطب مهارة كلية ثم بعد مدة قوي عليه المرض فكان سبب هلاكه ، وتوفي بقسطنطينية ودفن بها وكانت وفاته في سنة ثلاث وتسعين وألف . ا . ه . خلاصة الأثر ( 1 / 399 ) .