مع شيمة لو أنّها في الماء ما تغيّر ، وهمّة لو أنه للنّجم ما تغوّر .
وأياد روائح غوادي ، كنسيم الرّياض غبّ الغوادي .
فللمزن فيض بنانه ، وللرّوض حسن افتنانه .
وله فكر إذا اتّقد تلهّب منه اللّهب ، وخلق إذا انتقد تبهرج عنده الذّهب .
وكان في مبدئه من الجند على طريقة والده ، حتى بلغ فنزع بنفسه إلى مجد أغناه مطرفه عن تالده .
وحبّب إليه أنواع المعارف ، فاعتاض عن حمر المضارب بسود المراعف .
كما قال : [ الطويل ]
صبوت إلى حبّ الفضائل بعدما * تقلّدت خطّيا وصلت بمخدم
ومارست من بعد القناة يراعة * كأبيض مصقول العوارض لهذم « 1 »
وصار مدادي من سواد محاجري * وقد كان محمرا يسيل كعندم « 2 »
فجاء من التّحائف التي بيّضت وجوه القراطيس ، وجذبت المحاسن إلى صوبها جذب المغناطيس .
بما أطلع قدود المها محفوفة بالولائد ، ولآلي الثّغور كأنّها على العقد قد نظمها للقلائد .
إلى نظام مثل السّوالف زمّت بالشّعور ، وأداء كدرر البحور علّقت في النّحور .
وشعره وإنشاؤه إذا رآهما الأديب ، قال : ليس للبلاغة إلّا ذان ، يلجان السّمع إلى القلب بلا أذان ولا استئذان .
أحاطت ببدائعه حواشي الإجادة ، إحاطة الحلل بالقدود ، وتوشّت رياض روائعه بالملاحة توشية العذار بورد الخدود .
فكل ما كتبه أوفاه به لسانه ، لا سبيل لأن يجحد حسنه وينكر استحسانه .
ومضى عليه زمن وهو في عيش رفيه ، والعزّ ناظر وهو نور فيه .
حتى أسنّ فوقف الدّهر في تعهّده دون حقوقه ، وخرج إلى ما كان يهيّئه له من برّه إلى عقوقه .
وأخّر مطالبه تأخير الغريم ، لدين الكريم .
وبدّله عن النّشاط المقيم ، بالحظّ العقيم .
وللزمان حال لا إلى بقا ، وصفو لا يبقى على نقا .
فسلوة الأيّام موعدها الحشر ، ولكتابها منتهى هو النّشر .
ثم عاجله الحمام ، فسقى تربه هطّال الغمام :
هامش
( 1 ) لهذم : اللهذم : كل شيء قاطع . المعجم الوسيط ، مادة ( لهذم ) .
( 2 ) عندم : العندم : دم الأخوين . القاموس المحيط ، مادة ( عندم ) .