إن نشط لمغازلة الغزلان فموصوف بظرف أبي عبادة ، أو انتسب لنسيب قدود الغانيات فأين منه ابن ميّادة .
وإن انتدب لوصف الحميّا والكاس ، أنسى ذكر خمريّات أبي نواس .
وإن رثى عمّ مراثي أبي تمّام ، وأملى نياحة الفرخ على الحمام .
فهو أعوم في بحور الشعر من ابن قادوس ، وأصلح إذا جدّ وهزل من ابن حجّاج وابن عبد القدّوس .
له فكرة في النّظم صافية ، ما عوّقت له قطّ قافية .
فإذا أملى من نظمه واختالها من روض الجنان مقتطعة ، لم ينته له إسراع ، ولم يجّفّ له في يده براع .
وليس بتزويق اللّسان وصوغه * ولكنّه ما خالط اللّحم والدّما
وقد حلب الدّهر أشطره ، وملأ كتاب عمره أسطره .
وحادث أحداثه ، وبذّ كهوله وأحداثه .
وأخبرني والدي ، قال : رأيته ولحيته أنقى من الفضّة ، وأيام حياته قاربت أن تصير منفضّة .
ومع أن السّنين لاكت قواه ، لم يزل مع الرّكب اليمانين هواه .
ومضى زمن وأدباء الشّام به يحتفلون ، ويحكم بينهم فيما هم فيه مختلفون .
وبلغني أنه كان يحضر السّوق ، وهو من كسب يمينه على جانب من الوثوق .
عاملا بالأثر : « لو كنت تاجرا لأتّجرت بالطّيب إن فاتني ربحه ما فاتني ريحه » .
فانظر إلى ما سافه كساد سوقه ، وضيعة حقوقه .
على أن له في سوقه الفضلاء أسوة ، وكأنه استعار منهم لأشعاره كسوة .
هاتان الفقرتان للباخرزي ، احتجتهما ، ففي هذا المحلّ أدرجتهما .
قال : « وهم ، نصر بن أحمد الخبزرزّيّ ، وأبو الفرج الوأواء الدّمشقي ، والسّريّ الرّفّاء الموصليّ » .
قلت : وهم الذين إذا تليت آياتهم المنسوقة ، كان من تقدّمهم من الأدباء عندهم سوقة .
أما نصر ، فكان يصنع خبز الأرز بالبصرة وتجتمع الأدباء بحانوته .
وأما أبو الفرج فقد كان يسعى بالفواكه رائحا وغاديا ، ويتغنّى عليها مناديا .
وأما السّريّ ، فقد كان يطرّز الخلق ، ويرفأ الخرق ، ويصف تلك العبرة ، ويزعم أنه يسترزق الإبرة .
وكيف ما كان فالحرفة لا تخلو من حرفة ، والصّنعة لا تنجو من صرعة ، والبضاعة لا تسلم من إضاعة ، والمتاع ليس لأهله به استمتاع » .
وأخبرت أنه كان سموحا بما ملك ، متخلّيا عن الإمساك أيّة سلك .