أربع مائة رجل مشدودين بحبال ، فسأل عنهم ، فقال : خالفوا أمر الملك لمّا منع من شراء الحرير ، فاشتروه ، فذهب إليه ، وهو راكب ، فكلّمه فيهم ، وقال :
لا يحلّ قتلهم ، فغضب ، وقال : أما يحلّ قتل ثلثي العالم لنظام الباقي ؟ قال :
نعم ، لكن إذا أدّى إلى خلل عظيم ، قال : وأيّ خلل أعظم من مخالفة الأمر ؟
قال : هم لم يخالفوا أمرك ، لأنّك نصبت الأمناء على الحرير ، وهذا إذن بطريق الدّلالة ، فقال له : ليس أمور السّلطنة من وظيفتك ، قال : هو من أمور الآخرة ، والتعرّض لها من وظيفتي ، ثمّ فارقه ولم يسلّم عليه ، فاحتدّ السّلطان جدّا « 1 » ، حتى وقف على فرسه زمنا كثيرا ، والناس واقفون متحيّرون ، ثمّ عفا عن الكلّ .
ثمّ أعطاه قضاء العسكر مع الفتوى ، وقال : تحقّقت أنّه يتكلّم بالحقّ ، فكتب إليه : وصل إليّ كتابك ، وأمرتني بالقضاء ، وإنّي ممتثل ، لكن لي مع اللّه عهد أن [ لا ] « 2 » يصدر منّي لفظ حكمت ، فأحبّه السّلطان جدّا لإعراضه عن العزّ والجاه والمال صيانة لدينه .
مات سنة اثنتين وثلاثين وتسع مائة ، وأخبر في مرضه بموته ، قال : جاء إليّ روح موسى كليم اللّه عليه الصلاة والسلام وقت الإشراق ، وقال : شرّفوا ديار الآخرة ، رحمه اللّه .
وبالجملة كان آية في التقوى ، ومن مفردات الدّنيا في الفتوى ، جبلا من جبال العلوم الشرعية والدينية ، ودفن بدفنه العلم والتقوى ، والحكم والفتوى ، وكان كما قيل « 3 » :
يأبى « 4 » الجواب فلا يراجع هيبة * والسائلون نواكس الأذقان
أدب الوقار وعزّ سلطان التّقى * وهو المطاع وليس ذا سلطان
رضي اللّه عنه وأرضاه ، وجعل آخرته خيرا من دنياه .
هامش
( 1 ) في الأصل : فاحتد من السلطان ، والمثبت من الشقائق : 175 .
( 2 ) ما بين معقوفين مستدرك من مصادر الترجمة .
( 3 ) انظر الحاشية ( 3 ) في 1 / 422 .
( 4 ) في الشقائق النعمانية 176 : يدع .