واذكروا بأدب ووقار ، فلمّا شرعوا في الذّكر صاح الشيخ في أذن الكرماستي صيحة عظيمة ، فقام وسقطت عمامته عن رأسه ، ورداؤه عن منكبيه ، وصار يصعق « 1 » حتّى مضى ثلث النهار ، فلمّا سكن اضطرابه ، قال له الشيخ : لأيّ شيء اضطربت ، وقد قلت إنّه منكر ؟ فقال : تبت ولا أعود إلى الإنكار أبدا .
مات الشيخ بقسطنطينيّة ، ودفن رضي اللّه عنه بها .
* * *
( 302 ) سيار النّباجي « * »
سيّار النّباجي ، الباكي النّائح المناجي .
كان قد بكى « 2 » منذ ستّين سنة .
قال : نمت عن وردي ليلة ، فرأيت كأنّي دخلت الجنة ، وإذا نهر يجري من المسك الأذفر حافتاه شجر اللؤلؤ وقضبان الذّهب والجوهر « 3 » ، وإذا بجوار على الساحل ، وهنّ يقلن : سبحان المسبّح في كلّ مكان ، سبحانه ، سبحانه ، سبحانه « 4 » ، فقلت : من أنتنّ ؟ قلن : نحن خلق من خلق الرّحمن ، فقلت : لمن أنتنّ ؟ فأنشدن :
برانا إله الناس ربّ محمّد * لقوم على الأقدام باللّيل قوّم
يناجون ربّ العالمين إلههم * وتسري هموم القوم والناس نوّم
هامش
( 1 ) في الشقائق النعمانية : فشرع يرقص ويصعق .
* حلية الأولياء : 10 / 166 . ترجم له ابن الجوزي في صفة الصفوة : 3 / 380 ، واليافعي في روض الرياحين 77 ( حكاية 7 ) باسم مطهر السعدي .
والنباجي نسبة إلى النباج قرية في بادية البصرة ، على النصف من طريق مكة .
( 2 ) في الأصل : كان يبكي منذ سنين ، والمثبت من مصادر ترجمته .
( 3 ) في حلية الأولياء : نهر يجري على الدر والجوهر ، حافتاه من المسك الأذفر ، وعلى شاطئ النهر قباب اللؤلؤ ، وقضبان الذهب والجوهر وإذا بجوار . . .
( 4 ) في صفة الصفوة ، وروض الرياحين : سبحان المسبّح بكل لسان سبحانه ، سبحان الموجود بكل مكان سبحانه ، سبحان الدائم في كل الأزمان سبحانه .