قيل كعب الأحبار ، وضرغام تقدّم ، وإمام تقتدي به الهداة وتأتمّ ، نما من تلك الأصول الطاهرة غصنه « 1 » المورق ، وسما على الأنجم الزّاهرة بدره المشرق ، مجلّ « 2 » إذا أشرق ليل المدلهمات وأمسى ، ومصلّ إذا سمع النّاس لكلامه فلا تسمع لهم إلّا همسا ، يلتقط الدّرّ من كلمه ، ويتناثر الجوهر من حكمه ، ويئوب المذنب عند وعظه ، ويتوب العاصي بمجرّد سماع لفظه . كم من فاسق تاب في مجلسه ودخل في الطاعة ! وكم من كافر آب إلى الحقّ ساعة وعظه وآمن في الساعة ، بمن بعث بين يدي الساعة !
لو استمع له الصّخر لانفلق ، ولو فهم كلامه الوحش لاستحسنه « 3 » وقال صدق ، يصدّع القلب القاسي خطابه ، ويكاد يجمع عظام ذوي الغفلة النّخرة عتابه ، ويشتّت شمل الشّياطين ما يقول ، ويفتّت الأكباد ما يجمعه من الحقّ المقبول .
هو الرّابع من أولاد الأستاذ ، وأكثرهم علما ، وأشهرهم اسما .
تخرّج على : إمام الحرمين ، وعلى والده ، والشيخ أبي إسحاق الشّيرازي .
وسمع : الصّابوني ، والبيهقي ، وحدّث بالكثير .
وقد ذكره صاحب « السّياق » « 4 » أفصح المؤرخين على الإطلاق ، عبد الغافر الفارسي فقال : إمام الأئمّة ، وحبر الأمّة ، وبحر العلوم ، وصدر القوم ، وهو أشبه أولاد أبيه خلقا به ، كأنّه شقّ منه شقّا ، ربّاه والده وزقّه العربية زقّا ، وحصّل أنواعا من العلوم الدقيقة ، وحكما جمّة من علوم الحقيقة .
ولمّا مات أبوه انتقل لإمام الحرمين ، ثم صار رأسا كبيرا يقتدى به ، وأطبق أهل العراق على أنّهم لم يروا مثله في تبحّره ، عديم النظير ، فريد الوقت ، بقيّة
هامش
( 1 ) في المطبوع : غاص تلك .
( 2 ) في المطبوع : ممد .
( 3 ) في المطبوع : ولو سمع كلامه الصقر لاستحسنه .
( 4 ) كتاب السياق في ذيل نيسابور لعبد الغافر بن إسماعيل ، أبو الحسن الفارسي سبط أبي القاسم القشيري . توفي بنيسابور سنة 529 ه . انظر هدية العارفين 1 / 587 .