فانظر إليها نظرة فلطالما * متّعتها من نعمة فتمتّعت « 1 »
وقال : كيف تشهده الأشياء وبه فنيت ذواتها « 2 » ؟ ! أم كيف غابت الأشياء عنه وبه ظهرت بصفاته ؟ ! فسبحان من لا يشهده شيء ، ولا يغيب عنه شيء .
إنّ الحقيقة غير ما تتوهّم * فانظر لنفسك أيّ حال تعزم
أتكون في القوم الذين تأخّروا * عن حقّهم أو في الذين تقدّموا
لا تخدعن فتلوم نفسك حين لا * يجدي إليك تأسّف وتندّم
وقال :
ولو مضى الكلّ منّي لم يكن عجبا * وإنّما عجبي للبعض كيف بقي
أدرك بقيّة روح فيك قد تلفت * قبل الفراق فهذا آخر الرّمق
وقال : التّفكّر على أربعة أوجه : فكرة في آيات اللّه وعلامتها تولّد المحبّة ، وفكرة في وعده بالثّواب وعلامتها تولّد الرّغبة ، وفكرة في وعيده بالعذاب وعلامتها تولّد الرّهبة ، وفكرة في جفاء النّفس مع إحسان اللّه وعلامتها تولّد الحياء من اللّه .
وكان ببغداد عشرة فتيان معهم عشرة أحداث ، واجتمعوا بمحلّ فوجّهوا واحدا من أحداثهم لحاجة ، فأبطأ ، فغضبوا ، ثم أقبل وهو يضحك ، وبيده بطّيخة يقلّبها « 3 » ويشمّها ، فقالوا : ما شأنك ؟ قال : جئت بفائدة ، رأيت بشر الحافي وضع يده على هذه البطّيخة ، فلم أزل واقفا ، حتّى اشتريتها بعشرين درهما ، أتبرّك بموضع يده ، فأخذ كلّ منهم البطّيخة ، فقبّلها ووضعها على عينيه ، فقال أحدهم : بما بلغ بشر هذا ؟ قالوا : التّقوى ، والعمل الصّالح ، قال : إنّي تبت ، وأنا على طريقة بشر ، وقال كلّ منهم مثله ، وخرجوا ، فغزوا طرسوس ، فاستشهدوا ، فقال فيهم أبو علي صاحب التّرجمة :
هامش
( 1 ) في طبقات الصوفية 358 :فانظر إليها نظرة بتعطف * فلطالما متّعتها فتمتّعت( 2 ) في طبقات السبكي 3 / 51 : وبه فنيت ذواتها عن ذواتها .
( 3 ) في ( أ ) : يقبّلها .