ويخرج إليه النّساء الصّوفيات ، وما منهنّ إلّا ومعها سبحة ، فيلقين سبحهنّ على محفّة الشيخ ، تبرّكا به .
ودخل نيسابور فتلّقاه جميع أهلها على العادة .
وحمل شيخ الدّنيا إمام الحرمين أبو المعالي الجوينيّ رضي اللّه عنه غاشيته ومشى بين يديه كالخديم ، وقال : أفتخر بهذا .
وكان مع ذلك الزّهد المتين ، والورع الشديد طلق الوجه ، دائم البشر ، حسن المجالسة ، مليح المحاورة « 1 » ، وله أدب أعذب من الزّلال مازجته المدام ، وأزهى من الرّوض باكره الغمام ، وأبهى من المنثور هذا مع أنّه لا يتلوّن ، وأزهر من صفحات الخدود ، وإن كان آس الخدود العذار على جوانب ورده تتكوّن ، لو سمعه ديك الجنّ « 2 » لصاح كأنّه مصروع ، ولو تأمّل مقاطيعه ابن قلاقس « 3 » لأصبح وهو ذو قلب مقطوع « 4 » .
فمنه قوله :
سألت النّاس عن خلّ وفيّ * فقالوا : ما إلى هذا سبيل
تمسّك إن ظفرت بذيل حرّ « 5 » * فإنّ الحرّ في الدّنيا قليل
ومنه :
إذا تخلّفت عن صديق * ولم يعاتبك في التّخلّف
فلا تعد بعدها إليه * فإنّما ودّه تكلّف
هامش
( 1 ) في المطبوع : بليغ المجاورة .
( 2 ) ديك الجن : عبد السلام بن رغبان شاعر مجيد ، فيه مجون ، مولده ووفاته بحمص .
توفي سنة 235 . الأعلام .
( 3 ) ابن قلاقس : نصر بن عبد اللّه بن عبد القوي اللخمي الإسكندري الأزهري شاعر ، نبيل ، من كبار الكتاب المترسلين توفي سنة 567 ه الأعلام .
( 4 ) في الأصول : وفلب ، والمثبت من طبقات السبكي 4 / 226 .
( 5 ) في المطبوع : هنيئك إن ظفرت .