وكان لا يتجرّأ أن يسأل اللّه الجنّة ، ويقول : وددت أنّي أنجو من النّار ، وأصير ترابا .
وقال له رجل : أوصني ، قال : عسكر الموتى ينتظرك .
وقال له آخر : أوصني . قال : أقلل من معرفة النّاس . قال : زدني . قال :
ارض بالقليل من الدّنيا ، مع سلامة الدّين ، كما رضي أهلّ الدّنيا بها مع فساد الدّين .
وقال : إنّما اللّيل والنّهار مراحل ينزلها النّاس مرحلة مرحلة حتى ينتهي بهم ذلك إلى آخر سفرهم ، فإن استطعت أن تقدّم في كلّ مرحلة زادا لما بين يديها فافعل ، فتزوّد لسفرك ، واقض ما أنت قاض ، فكأنّك بالأمر قد بغتك ، والسّلام .
وقال : لا تمهر الدّنيا دينك ، فمن أمهرها دينه زفّت إليه النّدم .
وسأله رجل أراد تعلّم الرّمي فقال : الرّمي حسن ، لكنّها أيّامك ، فانظر بما تقطعها .
وقال : إن كان لك بدينك حاجة ففرّ من الناس فرارك من الأسد ، فصغيرهم لا يوقّرك ، وكبيرهم يحصي عليك عيوبك .
وقال : مسكين ابن آدم ، قطع الأحجار أهون عليه من ترك الأوزار .
وقال : اصحب أهل التّقوى ؛ فإنّهم أيسر أهل الدّنيا مئونة عليك ، وأكثرهم معونة لك .
وقال : إذا كنت تشرب الماء المبرّد ، وتأكل اللّذيذ المطيّب ، وتمشي في الظّلّ ، فمتى تحبّ الموت والقدوم على اللّه ؟
وأتاه رجل فقال : ما حاجتك ؟ قال : جئت لزيارتك . فقال : أمّا أنت فقد عملت خيرا حين زرت ، لكن انظر ما ذا ينزل بي أنا إذا قيل لي : من أنت فتزار ؟
أمن الزّهاد أنت ؟ لا واللّه ، أمن العبّاد ؟ لا واللّه ، أمن الصّالحين ؟ لا واللّه ، ثمّ أقبل يوبّخ نفسه ، ويقول : كنت في الشّبيبة فاسقا ، فلمّا كبرت صرت مرائيا ، واللّه للمرائي شرّ من الفاسق .
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية ) — صفحة 274
مساهمون: المناوي
ص٢٧٤