وكان أشبه النّاس سريرة بعلانية ، وقولا بفعل ، إن أمر بأمر كان أوّل عامل به ، أو نهى عن شيء كان أترك النّاس له ، وكان إذا قعد بين النّاس يقعد ذليلا ، وإذا تكلّم تكلّم بكلام رجل أمر به إلى النّار ، كأنّها لم تخلق إلّا له .
وكان كثير البكاء والحزن ، ما رآه أحد إلّا ظنّ أنّه حديث عهد بمصيبة .
قال الغزالي رضي اللّه عنه : كان الحسن أشبه النّاس بكلام الأنبياء ، وأقربهم هديا من الصّحابة ، اتّفق العلماء في حقّه على ذلك .
وقال ابن عربي رضي اللّه عنه : الحسن عندنا من أئمّة أهل طريق اللّه جلّ جلاله ، ومن أهل الأسرار والإشارات .
وقال الجاحظ « 1 » : كان يستثنى من كلّ غاية ، فيقال : فلان أزهد النّاس إلّا الحسن ، وأفقه النّاس إلّا الحسن ، وأفصحهم إلّا الحسن « 2 » .
ونظر إليه راهبان فقال أحدهما لصاحبه : مل بنا إلى هذا الذي سمته سمة المسيح . فعدلا إليه ، فألفياه مفترشا لذقنه ظاهر كفّه ، وهو يقول : يا عجبا لقوم ، أمروا بالزّاد وأذنوا بالرّحيل ، ما الذي ينتظرون ؟
ومن كلامه :
يحقّ لمن علم أنّ الموت مورده ، والسّاعة موعده ، والقيامة مشهده أن يطول حزنه .
وقال : لا يؤمن عبد بهذا القرآن إلّا حزن وذبل .
وقال : أدركت سبعين بدريّا لباسهم الصّوف ، لو رأيتموهم قلتم : مجانين ، ولو رأوا خياركم قالوا : ما لهؤلاء من خلاق ، ولو رأوا شراركم قالوا : ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب .
وقال : التّفكّر يدعو إلى الخير ، والعمل به ، والنّدم على الشّرّ يدعو إلى تركه ، وليس ما يفنى وإن كثر يعدل ما يبقى ، فاحذر هذه الدّار الصّارعة الخادعة التي قد تزيّنت بخدعها ، وغرّت بغرورها .
وقال : عقوبة العلماء موت القلوب ، وموتها طلب الدّنيا بعمل الآخرة .
هامش
( 1 ) في ( أ ) : الحافظ .
( 2 ) ثمار القلوب 1 / 177 ( زهد الحسن ) .