وزهرتها ، ويأنس باللّيل وظلمته ، غزير العبرة ، طويل الفكرة ، يقلّب كفّه ، ويخاطب نفسه ، يعجبه من اللّباس ما قصر ، ومن الطّعام ما خشن ، يعظّم أهل الدّين ، ويحبّ المساكين ، لا يطمع القويّ في باطله ، ولا ييئس الضعيف من عدله .
[ من كراماته : ]
ومن كراماته العليّة أنّه حدّث رجلا بحديث ، فكذّبه ، فما قام حتّى عمي ، أخرجه أبو نعيم عن الشّعبي « 1 » .
ومنها أنّه أتاه ابن ملجم يستحمله ، فحمله ثم قال :
أريد حياته ويريد قتلي * عذيرك من خليلك من مراد « 2 »
هذا قاتلي ، فقيل له : ألا نقتله ؟ قال : ومن يقتلني ؟ .
ونختم ترجمة هذا الإمام بخبر رواه بعض الأعلام . وهو ما خرّجه الحافظ أبو نعيم « 3 » بسند ضعيف جدا عن حذيفة مرفوعا : « من سرّه أن يحيا حياتي ، ويموت ميتتي ، ويتمسّك بالقصبة الياقوتة التي خلقها اللّه بيده ، ثم قال لها :
كوني فكانت ، فليتولّ عليّ بن أبي طالب » « 4 » .
قتله رضي اللّه عنه عبد الرحمن بن ملجم في رمضان سنة أربعين . وقد نيّف على الستين .
وقد ذكروا لقتله أسبابا منها أنّ ابن ملجم عشق امرأة من الخوارج يقال لها :
قطام ، فأصدقها ثلاثة آلاف ، وقتل عليّ رضي اللّه عنه ، فخرج عليّ كرّم اللّه وجهه ، ينادي لصلاة الصّبح : أيّها النّاس الصّلاة . فاعترضه ابن ملجم ، فضربه بسيف ، فأصاب جبهته إلى قرنه ، ووصل إلى دماغه ، فشدّ عليه النّاس ، فأمسك
هامش
( 1 ) الخبر في تاريخ دمشق ، ترجمة علي 3 / 256 .
( 2 ) البيت لعمرو بن معد يكرب الديوان صفحة 65 ، والحماسة الشجرية 1 / 40 ، والعقد الفريد 2 / 152 ، والحماسة البصرية 1 / 35 ، اللسان ( عذر ) وفي الأصل : عذيري من خليل من مرادي . والمثبت من مصادر الخبر . جاء في اللسان : عذيرك من فلان بالنصب ، أي هات من يعذرك . . . ونصبه على إضمار هلمّ معذرتك إياي .
( 3 ) حلية الأولياء 1 / 86 .
( 4 ) في الحلية 1 / 86 : عن حذيفة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من سرّه . . . » .