وما أشبه ذلك ، وكان مع فقره لا يخلّ بضيافة من يمرّ به من الإخوان ، بل كان في الغالب يحضر له ما به ضياء العيون من قرى الخلّان . وتزوج بدمشق مرة بعد أخرى . وكان يظهر كمال التشوق إلى زيارة البيت الحرام ، والتثام ثرى القبر الشريف ، على جوهره الفرد الصلاة والسلام . وسمعته يلهج بهذه الكلمات :
أرى نفسي بأشواقي رهينه * لقبر قد ثوى وسط المدينة
وللبيت الحرام وما حواه * من الدرر المعظّمة الثمينة
فاتفق أنه حجّ سنة خمس وتسعين في ما أظن ، فتوفي بين الحرمين بعد أن حجّ وطاف ، وتشرف بتقبيل الشامة التي زينت وجه المطاف .
قلت : ( 182 ب ) وقد اتفق مسيرنا إلى جهة القنوات من محلات دمشق المحروسة ، فأدركتنا صلاة الظهر بمدرسة شاذبك ، فصلّينا هناك ، وإمامها يومئذ الشيخ عبد اللّه المصري المذكور . فلمّا سلّمنا عليه وتصافحنا نظم أبياتا يشير بها إلى الفقير كاتب الحروف حسن بن محمد البوريني ، ولم تكن الأبيات كلها قابلة لأن تودع في هذا الكتاب ، فكتبنا ما ينتظم في سلك النظام ، وحذفنا ما هو من قسم القتاد أو القتام .
وهي هذه :
يا عالم العصر وبحر النوال * لا زلت ترقى في بروج الكمال
ولا برحت الدهر في سؤدد * ممتّعا بالسعد في كلّ حال
شرّفتني في ساعة أشرقت * أنوارها منكم بحسن الجمال