وبلغني أنّ أحمد آغا كبير الطائفة الينكجرية بدمشق الشام ألقى عمامته عن رأسه ونادى :
من صدّ عن نيرانها * فأنا ابن قيس لا يراح
وأنشد :
أنا ابن جلا وطلّاع الثنايا * متى أضع العمامة تعرفوني
وتقدم بالبيرق النبوي ، والسنجق السلطاني المحمّدي ، واضعا سيفه المسلول على عاتقه ، مقدما على عسكر البغاة ، غير مستمع أصوات بنادقه ، فما مضت لحظة من النهار ، ألا وقد حصل لعسكر البغاة صورة الانكسار ، فولّوا هاربين ، ومن الأبطال راهبين ، وغنّى فيهم السيف على تساقي خمرة الدماء الحمر ، وتلاطمت السيوف البيض مع الرماح السمر ، وتسنّم اليازجي الذي كان قد نزل ذيله ، ولم ينظر إلّا الدم وقد أجروا عليه سيله ، ووقف في قلّته ينظر الدم وقد بلغ القلّتين ، وسال سيله إلى أن بلغ الربوتين ، ونظر إلى أبطاله والسيف يقد قدودها ، ويعكس من أيامهم سعودها ، ورأى أموالهم التي أخذها بالسيف ، وقد أمست طعمة للعسكر النازل نزول الضيف ، وعلم أن الليالي مالت عليه ، وساقت مكروهها إليه ، فولّى بعيد العصر هاربا ، وفي الحياة بعد أصحابه راغبا ، وقال : من نجا برأسه فقد ربح ، ولعمري لولا اشتغال العساكر بالغنيمة لما فات اليازجي ، ولا خرج إلى برّ السلامة الخارجي . والعجب أنّهم أطلقوا الطير من القفص وبعد إطلاقه طلبوه من الهواء طائرا ، وتفرّقوا أيدي سبأ في الجبال وحاروا في وجوده حائرا واستمروا دائرين وراءه نحو شهر كامل ، فلم يجدوا من أثره سوى قولهم :
كان اليوم هنا ، وبالأمس في المكان الفلاني ، واليوم ذهب عنه ، وهلم جرا ،