وفي دار الهجرة المنورة ، يتكشف جوهر عثمان بن
مظعون وتظهر حقيقة الفذة الفريدة ، فإذا هو العابد الزاهد
المتبتل الأواب والراهب الجليل الذي لا يأوى إلى
صومعته ينزل فيها الحياة ، بل كان يملأ الدنيا بعمله
وجهاده في سبيل تثبيت دعائم شريعة السماء .
وما أن ذاق حلاوة الاستغراق في الله ، حتى هم
بتقطيع أواصر الحياة التي ينعم بها الناس وهجرها بهجرته
هذه .
وكان من أشد الناس اجتهادا وعبادة ، يصوم نهاره
ويقوم ليله ، ويتجنب الشهوات ، ويعتزل النساء ، واستأذن
رسول الله صلى الله عليه وآله في التبتل والإخاء ، فنهاه عن ذلك وقال له :
يا عثمان ، إن الله لم يبعثني بالرهبانية ، وإن خير الدين عند
الله الحنيفية .
وهو ممن حرم الخمرة على نفسه في الجاهلية ،
وقال : لا أشرب شرابا يذهب عقلي ، ويضحك بي من هو
أدنى منى ، ويحملني أن أنكح ( المحارم من أهلي ) .
فلما حرمت الخمرة في الإسلام قيل له : يا
الأعلام من الصحابة والتابعين — صفحة 74
مساهمون: حسين الشاكري
ص٧٤