* وروى أنّه لما ولى القضاء أكره على ذلك ، وأقعد معه جماعة من الشرط ، ثم طاب من نفسه فقعد وحده ، وبلغ سفيان الثّورىّ فجاء « 1 » وتراءى له ، فلما رآه شريك قام إليه وأكرمه وعظّمه ، وقال : يا أبا عبد اللّه ، هل من حاجة ؟ قال : نعم ، مسألة .
قال : أوليس عندك من العلم ما يكفيك ؟ قال أحببت أن أذكّرك فيها . قال : قل .
قال : ما تقول في امرأة جاءت فجلست في باب رجل ، ففتح الرجل الباب واحتملها فأدخلها وفجر بها ، على من يجب الحدّ منهما ، فقال : على الرجل دونها . قال : ولم ؟
قال : لأنّها مكرهة . قال : فلما كان من الغد ، جاءت فتزيّنت ، وتطيّبت ، وجلست على الباب ، ففتح الرجل الباب ، فدخلت وفجر بها ، على من يجب الحدّ ؟ قال : عليهما جميعا . قال : ولم ؟ قال : لأنّها جاءت بنفسها وقد عرفت الخبر بالأمس . قال : فأنت كذا ، كان عذرك واضحا حيث كان الشّرط يحفظونك بالأمس ، أىّ عذر بك اليوم ؟
فقال : يا أبا عبد اللّه ، اسمع أكلّمك . فقال سفيان : ما كان اللّه ليرانى أكلّمك أو تتوب . فلم يكلّمه حتى مات .
وكان سفيان ، رحمه اللّه ، يقول : أىّ رجل هو لو لم يفسدوه .
وروى أنّ الخيزران لمّا حجّت ، وهو قاض على الكوفة ، فخرج يتلقّاها ، فأبطت عليه ، فأقام بمكان يقال له شاهى « 2 » ، فيبس خبزه ، فجعل يبلّه بالماء ويأكله ، فقال العلاء بن المنهال « 3 » :
فإن كان الذي قد قلت حقّا * بأن قد أكرهوك على القضاء
فمالك ههنا في كلّ يوم * تلقّى من يحجّ من النّساء
مقيما في قرى شاهى ثلاثا * بلا زاد سوى كسر وماء
وقال شريك مرّة لبعض أصحابه : أكرهت على القضاء . فقال له : أفأكرهت على أخذ الرّزق ؟
وروى أنّه كان لا يجلس للقضاء حتى يتغذّى ، ثم يأتي المسجد فيصلّى ركعتين ، ثم يخرج من جيبه رقعة ينظر فيها ، وفيها مكتوب : ويحك يا شريك ، اذكر الصّراط ودقّته ، والوقوف بين يدي اللّه تعالى .
هامش
( 1 ) الفاء ليست في النسخ .
( 2 ) شاهى : موضع قرب القادسية . معجم البلدان 3 / 246 .
( 3 ) الأبيات في : تاريخ بغداد 9 / 285 ، سير أعلام النبلاء 8 / 183 ، معجم البلدان 3 / 316 .