وعن عمر بن الهيّاج ، قال : كنت في صحابة شريك ، فأتيته يوما ، فخرج إلىّ في فرو وليس تحته شئ وعليه كساء ، فقلت له : قد أصبحت راغبا عن مجلس الحكم .
فقال : غسلت أمس ثيابي ، فلم تجفّ ، وأنا منتظر جفافها ، اجلس . قال : فجلست نتذاكر باب العبد يتزوّج بغير إذن مولاه ما تقول فيه ، وكانت الخيزران قد وجّهت على الطّراز رجلا نصرانيّا ، وكتبت إلى موسى بن عيسى : لا تعص له أمرا . فكان مطاعا بالكوفة ، وإذا بالنّصرانىّ قد خرج من زقاق وبين يديه أعوانه ، وعليه جبّة خزّ وطيلسان خزّ ، وهو على برذون فاره بين يديه رجل مكتوف ، وهو يصيح : وا غوثاه ، أنا رجل مسلم ، أنا باللّه وبالقاضي . فصاح شريك بالنّصرانىّ : دعه . فنزل ، وجاء فجلس إلى شريك ، فقال شريك للمسلم : ما الذي بك ؟ فقال أنا رجل أعمل الوشى ، وكراء مثلي في الشهر مائة درهم ، أخذني هذا فحبسني أربعة أشهر في طراز ، وقد ضاع عيالي ، ولم يعطني شيئا ، وطلبت اليوم أجرتى منه ، فمدّنى وضربني . وكشف عن ظهره ، فإذا فيه آثار السّياط ، فقال شريك للنّصرانىّ : قم فاجلس مع خصمك . فقال :
يا أبا عبد اللّه ، أصلحك اللّه ، أنا خادم السّيّدة ، / مر به إلى الحبس . فقال له : قم ويلك ، فاجلس مع خصمك . فقام ، فجلس معه ، فقال شريك : ما هذه الآثار التي في ظهره ؟ فقال : أنا ضربته بيدي . فألقى شريك كساءه ، ودخل داره ، فأخرج سوطا زنديّا ، ثمّ ضرب بيده إلى مجامع ثوب النّصرانىّ ، فألقاه ، ثم جعل يضربه ، ويقول :
واللّه لا ضربت بعدها مسلما . فهمّ أعوانه أن يخلّصوه ، فقال شريك : من ههنا من صبيان الحىّ ، خذوا هؤلاء إلى الحبس . فهربوا والنصرانىّ يبكى ويعصر عينيه ، والسّوط يأخذه ، ويقول له : يا ملعون . والنصرانىّ يقول : ستعلم . ثم ألقى السّوط من يده في الدّهليز ، وقال : يا أبا حفص ، خذ فيما كنّا فيه ، ما تقول في العبد يتزوّج بغير إذن مولاه . كأنّه لم يصنع شيئا ، فقام النصرانىّ إلى برذونه ليركبه ، فاستعصى عليه ، ولم يكن له أحد يأخذ بركابه ، فجعل يضربه ، وشريك يقول له : ويحك ، ارفق به ، فإنّه أطوع للّه منك . فقلت له : سيكون لهذا عاقبة مكروهة . فقال : أعزّ أمر اللّه يعزّك اللّه . ودخل النّصرانىّ على موسى بن عيسى ، فقال : من فعل بك هذا ؟ فقال : شريك .
فقال : لا واللّه ، مالي على شريك اعتراض ، ولا أتعرّض له بشئ . ومضى النّصرانىّ من فوره ذلك إلى بغداد ؛ ولم يعد .
قلت : هكذا كانت أحكام شريك وتصلّبه في دين اللّه تعالى ، وعدم مبالاته بأحد بعد ظهور الحق ، ولو حصل له ما حصل ، ومع ذلك فقد لامه أصحابه ، وعتبوا عليه ، وهجروه لكونه قبل القضاء ، ودخل فيه ، ورضى به آخرا بعد الإكراه ، فكيف لو رأوا
الطبقات السنية في تراجم الحنفية — صفحة 70
مساهمون: تقي الدين الغزي
ص٧٠