كان إماما عالما علّامة ، شيخ الإسلام ، وقدوة الأنام ، ومرجع الخاصّ والعامّ .
قال في حقّه السّيّد عبد الرحيم العبّاسىّ ، في ديباجة نسخة من « شرح شواهد التّلخيص » « 1 » له ، كتبها باسم صاحب الترجمة ، ومن خطّه نقلت : هو مولى تنخفض همم الأقوال عن بلوغ أدنى فضائله ومعاليه ، ويقصر جهد الوصف عن أيسر فواضله ومساعيه ، حضرته مطلع الجود ، ومقصد الوفود ، وقبلة الآمال ، ومحطّ الرّحال ، ومجمع الأدباء ، وحلبة الشعراء ، ذو همة مقصورة على مجد يشيّده ، وإنعام يجدّده ، وفاضل يصطنعه ، وخامل وضعه الدّهر فيرفعه ، فاق الأقران ، وساد الأعيان ، فلا يدانيه مدان ، ولو كان من بنى عبد المدان « 2 » ، وليس يجاريه في مضمار الجود جواد ، ولا يباريه في ارتياد السيادة مرتاد .
ما كلّ من طلب السّعادة نافدا * فيها ولا كلّ الرجال فحولا
لا زالت آي مجده بألسن الأقلام متلوّة ، وأبكار الأفكار بمديح معاليه مجلوّة .
ثم قال يصف مكارمه وفواضله ، وإنعامه عليه ، وإسداء الخيرات إليه ، عندما قصد حضرته ، وأمّ ساحته ، وحين أناخ مطايا قصده بأفناء سعده ، صادف مولا حفيّا وظلّا ضفيّا ، ومرتعا رحيبا ، ومربعا خصيبا ، وبشاشة وجه تسرّ القلوب ، وطلاقة / محيّا تفرّج الكروب ، وتغفر للدهر ما جناه من الذنوب ، مع ما يضاف إلى ذلك من منظر وسيم ، ومخبر كريم ، وخلائق رقّت وراقت ، وطرائق علت وفاقت ، وفضائل ضفت مدارعها ، وشمائل صفت مشارعها ، وسؤدد تثنى به عقود الخناصر ، ويثنى عليه طيب العناصر ، فحمد من صباح قصده السّرى ، وعلم أنّ كلّ الصّيد في جوف الفرا ،
إنّ الكريم إذا قصدت جنابه * تلقاه طلق الوجه رحب المنزل
وها هو في ظلّ عزّه رخىّ البال ، متميّز الحال ، آمن من صرفان الدّهر ، وحدثان القهر ، يرتع في رياض فضله ، ويخرج من طلّ جوده ووبله ، قد عجز عن الشكر لسانه ، وكلّ عن رقم الحمد بنانه ، لم يفقد من تفيّأ رأفته ظلالا ، ولم يقل لصدح آماله انتجعى بلالا ، وبه حقّق قول القائل من الأوائل « 3 » :
هامش
( 1 ) انظر : معاهد التنصيص 1 / 4 ، 5 .
( 2 ) عبد المدان : أبو قبيلة من بنى الحارث . تاج العروس ( مدن ) 9 / 342 ، 343 .
( 3 ) انظر يتيمة الدهر 3 / 109 .