ولمّا أراد المأمون « 1 » أن يدخل ببوران ، بنت الحسن بن سهل ، جعل الناس يهدون لأبيها / الأشياء النفيسة ، وكان من جملة الناس رجل من الأدباء ، فأهدى إليه مزودا فيه ملح طيّب ، ومزودا فيه أشنان جيّد ، وكتب إليه : إنّى كرهت أن تطوى صحيفة أهل البرّ ولا ذكر لي فيها ، فوجّهت إليك بالمبتدإ به ؛ ليمنه وبركته ، وبالمختوم به ، لطيبه ونظافته ، وكتب إليه :
بضاعتى تقصر عن همّتى * وهمّتى تقصر عن مالي
والملح والأشنان يا سيّدى * أحسن ما يهديه أمثالي
قال : فدخل بهما الحسن بن سهل على المأمون ، فأعجبه ذلك ، وأمر بالمزودين ، ففرّغا وملئا دنانير ، وبعث بهما إلى ذلك الأديب .
وولد للمأمون ابنه جعفر « 2 » ، وبه كان يكنى ، فدخل عليه الناس يهنّونه بصنوف التّهانى ، ودخل في جملتهم بعض الشعراء « 3 » ، وأنشده قوله :
مدّ لك اللّه الحياة مدّا * حتى يريك ابنك هذا جدّا
ثمّ يفدّى مثلما تفدّى * كأنّه أنت إذا تبدّى
أشبه منك قامة وقدّا * مؤزّرا بمجده مردّى
فأمر له بعشرة آلاف درهم .
وقدم عليه ، وهو بدمشق « 4 » ، مال جزيل بعد ما كان قد أفلس ، وشكا إلى أخيه المعتصم ذلك ، فورد عليه خزائن من خراسان فيها ثلاثون ألف ألف ، فخرج يستعرضها ، وقد زيّنت الجمال والإجمال ، ومعه يحيى بن أكتم « 5 » القاضي ، فلما دخلت البلد ، قال : ليس من المروءة أن نحوز هذا كلّه والناس ينظرون . ثم فرّق منه أربعة وعشرين ألف ألف درهم ، ورجله في الركاب ، لم ينزل عن فرسه .
ومن لطيف شعره « 6 » :
هامش
( 1 ) البداية والنهاية 10 / 278 .
( 2 ) تاريخ بغداد 10 / 189 ، 190 ، البداية والنهاية 10 / 278 .
( 3 ) في تاريخ بغداد أنه العباس بن الأحنف ، وليس في ديوانه .
( 4 ) البداية والنهاية 10 / 278 .
( 5 ) بالتاء . وسيذكره المؤلف في ترجمته .
( 6 ) البداية والنهاية 10 / 278 ، فوات الوفيات 2 / 239 ، النجوم الزاهرة 2 / 227 .