وكان « 1 » يقصد العدل ، ويتولّى بنفسه بين الناس الفصل ، جاءته امرأة ضعيفة ، فتظلّمت من العبّاس ، وهو واقف على رأسه ، فأمر الحاجب فأخذ بيده ، فأجلسه معها بين يديه ، فادّعت عليه أنّه أخذ ضيعة لها ، واستحوذ عليها ، فتناظرا ساعة ، فجعل صوتها يعلو على صوته ، فزجرها بعض الحاضرين ، فقال له المأمون : اسكت فإنّ الحقّ أنطقها ، والباطل أسكته . ثم حكم لها بحقّها ، وألزم لها ولده بعشرة آلاف درهم .
وكتب إلى بعض الأمراء « 1 » : ليس من المروءة أن يكون آنيتك من ذهب وفضّة ، وغريمك عار ، وجارك طاو .
ووقف رجل بين يديه ، فقال له « 2 » : واللّه لأقتلنّك . فقال : يا أمير المؤمنين ، تأنّ علىّ ، فإنّ الرّفق نصف العفو . فقال : ويحك ، كيف وقد حلفت لأقتلنّك ؟ فقال :
يا أمير المؤمنين ، لأن تلقى اللّه حانثا ، خير من أن تلقاه قاتلا . فعفا عنه .
وكان يقول « 1 » : ليت أهل الجرائم يعرفون مذهبي في العفو ، حتى يذهب الخوف عنهم ، ويدخل السّرور على قلوبهم .
وحضر « 3 » عنده هدبة بن خالد يوما ، فتغدّى عنده ، فلمّا رفعت المائدة ، جعل هدبة يلتقط ما تناثر منها ، فقال له المأمون : أما شبعت يا شيخ ؟ فقال : بلى ، ولكن حدّثنى حمّاد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « من أكل ما « 4 » تحت مائدته أمن من الفقر » « 5 » . قال : فأمر له المأمون بألف دينار .
وروى ابن عساكر « 6 » ، أنّ المأمون قال يوما لمحمد بن عبّاد بن المهلّب : يا أبا عبد اللّه ، قد أعطيتك ألف ألف وألف ألف وألف ألف ، وإنّ عليك دينا . فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّ منع الموجود ، سوء ظنّ بالمعبود . فقال : أحسنت يا أبا عبد اللّه ، أعطوه ألف ألف وألف ألف وألف ألف .
هامش
( 1 ) البداية والنهاية 10 / 277 .
( 2 ) تاريخ بغداد 10 / 191 ، والبداية والنهاية 10 / 277 .
( 3 ) البداية والنهاية 10 / 278 .
( 4 ) في كنز العمال : « مما » .
( 5 ) كنز العمال 15 / 252 . وذكر أنه عند الخطيب في المؤتلف .
( 6 ) نقله ابن كثير ، في البداية والنهاية 10 / 278 .