إنّا إلى اللّه فيما لا يزال لنا * من القضاء ومن تلوين دنيانا
دنيا نراها ترينا من تصرّمها * ما لا يدوم مصافاة وأحزانا
ونحن فيها كأنّا لا يزايلنا * عيش فأحياؤنا يبكون موتانا
وروى الخطيب في « تاريخه » « 1 » : أن هارون الرّشيد كان له جارية غلاميّة ، تصبّ على يده ، وتقف على رأسه ، وكان المأمون يعجب بها وهو أمرد ، فبينا هي تصبّ على هارون من إبريق معها ، فأشار إليها المأمون بقبلة ، فزبرته بحاجبها ، وأبطأت عن الصّبّ ، فنظر إليها هارون ، فقال : ما هذا ؟ فتلكّأت عليه - ضعي ما معك ، علىّ كذا إن لم تخبرينى لأقتلنّك . فقالت : أشار إلىّ عبد اللّه بقبلة ، فالتفت إليه ، وإذا هو قد نزل به من الحياء والرّعب / ما رحمه منه ، فاعتنقه ، وقال : أتحبّها ؟ قال : نعم ، يا أمير المؤمنين . فقال : قم فأخل بها في تلك القبّة . فقام ففعل ، فقال له هارون : قل في هذا شعرا . فأنشأ يقول :
ظبي كنيت بطرفى * عن الضّمير إليه
قبّلته من بعيد * فاعتلّ من شفتيه
وردّ أخبث ردّ * بالكسر من حاجبيه
فما برحت مكاني * حتى قدرت عليه
وعن ابن أبي دواد ، أنّه قال « 2 » : دخل رجل من الخوارج على المأمون ، فقال : ما حملك على خلافنا ؟ قال : آية في كتاب اللّه تعالى . قال : وما هي ؟ قال : قوله تعالى
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
« 3 » . فقال له المأمون : ألك علم بأنّها منزّلة ؟ قال : نعم . قال : وما دليلك ؟ قال : إجماع الأمّة . قال : فكما رضيت بإجماعهم في التّنزيل ، فارض بإجماعهم في التّأويل . قال : صدقت يا أمير المؤمنين .
وكان المأمون يقول « 2 » : غلبة الحجّة أحبّ إلىّ من غلبة القدرة ؛ لأنّ غلبة القدرة تزول بزوالها ، وغلبة الحجّة لا يزيلها شئ .
ومن مكارم أخلاقه « 4 » ، ما حكاه يحيى بن أكتم ، قال : بتّ ليلة عند المأمون ،
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد 10 / 185 .
( 2 ) تاريخ بغداد 10 / 186 .
( 3 ) سورة المائدة : 44 .
( 4 ) تاريخ بغداد 10 / 187 .