ولمّا وقعت الحوطة على أملاك الناس في أيّام الملك الظّاهر ، وأخرج فتاوى الحنفيّة باستحقاقها بحكم أنّ دمشق فتحها عمر بن الخطّاب ، رضى اللّه تعالى عنه عنوة ، أراد السلطان من القاضي شمس الدين أن يحكم له فيها بمقتضى مذهبه ، فقال للسّلطان :
هذه أملاك بأيدي أربابها ، ولا يحلّ لمسلم أن يتعرّض لها ، ثم نهض من المجلس مغضبا ، فانحرف السلطان من ذلك انحرافا شديدا ، ثم سكن ، وصار بعد / ذلك يثنى على القاضي شمس الدين ويمدحه .
أقول : هكذا ينبغي أن تكون القضاة في القيام مع الحقّ على الباطل ، لا يخافون سطوة ظالم ، ولا إقدام جاهل ، لا تأخذهم في اللّه لومة لائم ، ولا يصدّهم عن الحقّ رهبة ظالم ، لا كغالب قضاة زماننا الذين اتّخذوا الحكّام لهم آلهة ، يعصون اللّه ويطعونهم ، ويغضبون اللّه ويرضونهم ، يحكمون بالهوى ، ويتّبعون الأهواء ، يدور الحقّ عندهم مع الرّشوة والجاه ، ولا يرهبون
يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ
« 1 » .
قال ابن كثير : كان ابن عطاء من العلماء الأخيار ، كثير التّواضع ، قليل الرّغبة في الدنيا ، روى عنه ابن جماعة . انتهى .
ولم يزل على القضاء إلى أن مات يوم الجمعة ، تاسع جمادى الأولى ، سنة ثلاث وسبعين وستمائة ، ودفن بسفح قاسيون ، بالقرب من المدرسة المعظّميّة « 2 » ، رحمه اللّه تعالى .
قال النّويرىّ ، في « نهاية الأرب » : ولمّا مات ، عزل قاضى القضاة زين الدين الزّواوىّ المالكىّ نفسه عن القضاء حال دفنه ، فإنّه أخذ بيده من تراب القبر وحثاه عليه ، وقال : واللّه لا حكمت بعدك ؛ فإنّ لك أربعين سنة تحكم ، ثم هذه مآلك .
وعزل نفسه عن الحكم ، وبقي نائبه القاضي جمال الدين يوسف الزّواوىّ يحكم على حاله ، وفوّض قضاء الحنفيّة بعده للقاضي عبد الرحمن بن الصاحب كمال الدين عمر ابن العديم . واللّه تعالى أعلم .
* * *
1090 - عبد اللّه بن محمد بن علىّ بن محمد الدّامغانىّ ، أبو جعفر ، ابن قاضى القضاة أبى عبد اللّه « * »
شهد عند والده ، فقبل شهادته ، وولّاه أخوه قاضى القضاة أبو الحسن علىّ بن محمد
هامش
( 1 ) سورة الانفطار 19 .
( 2 ) المدرسة المعظمية : بالصالحية بسفح قاسيون الغربى ، جوار المدرسة العزيزية . الدارس 1 / 579 .
( * ) ترجمته في : الجواهر المضية ، برقم 730 ، المنتظم 9 / 251 .