تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية ( ويليه العقد المنظوم في ذكر أفاضي الروم ) — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
دبيب الاجل إلى الامل فلما شاهدوا الويل سالت عبراتهم كالسيل وأخذوا في الاستغفار والاستحلال وشرعوا في التضرع والابتهال وطلبوا من اللّه الخلاص واجتهدوا في طريق المناص الا أن إرادة الجبار ساقت المركب نحو التيار فلم يمكن لذلك الفوج الا الدخول في الموج :
ما كل ما يتمنى المرء يدركه * تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
فلما انصب الماء عليهم وانقض تلوا قوله تعالى : ظلمات بعضها فوق بعض ولما ارتفعت تلك الطامة وفتح أعينهم الخاصة والعامة تفقد كل امرئ صاحبه ورفيقه ومصاحبه فإذا المرحوم وفرقة من رفقته وأرباب صحبته فقدوا ولم ير لهم أثر ولم يسمع عنهم خبر :
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر
وحكي انه كان رحمه اللّه قاعدا في كوثل السفينة مع سبعة عشر نفرا من أصحابه وخلاصة احزابه فلما غشيهم من اليم ما غشيهم وأحاطهم ذلك الموج الكبير رمى بالكوثل إلى البحر مع من به من الكبير والصغير وكان المرحوم يقرأ القرآن ويسأل الفرج من الملك الرحمن فما غرق الا والمصحف على صدره أغرقهم اللّه في بحار رحمته وجمع شملهم في حدائق جنته وحلول الباس بهذه الفئة سنة تسع وستين وتسعمائة وقد مضى من عمره خمسون سنة وكان رحمه اللّه من فحول عصره وأكابر دهره صاحب تحقيق وتدقيق وتوفيق وتلفيق قوي الجنان نافذ الكلام يلوح من جبينه آثار الفوز والسعادة يصرف أكثر أوقاته في مطالعة الكتب والعبادة وكان في طريق الحق من السيوف الصوارم لا يخاف في اللّه لومة لائم وكان ينظم الشعر المحكم المشتمل على نبذ من الحكم وقد ظفرت بهذه الأبيات الخليفة بالاثبات وقد قالها قبل موته بأيام على ما نقله بعض الاعلام :
أيا طالبا مالا وتزعم مالكا * فما لك تدعو للعواري بمالكا . قم واشتغل كسب الكمال فإنّه * كمالك عند اللّه ليس كمالكا . وناج بذكر اللّه إنك باسمه * لناج من الأحزان في كل حالكا . إلهي ومولائي علمتك محسنا * جميلا فجاملني بنور جمالكا .