[ كتاب ] ( العقد المنظوم في ) ( ذكر أفاضل الروم )
( بسم اللّه الرحمن الرّحيم )
يا من قدر الآجال وجعل لها مددا ودبر الأمور واحصى كل شيء عددا صلّ على محمد خير من نطق بالصواب وأوتي الحكمة وفصل الخطاب وختم به الرسالة والكتاب ومن تبعه باحسان من الآل والأصحاب * ( وبعد ) * فنحن نقص عليك أحسن القصص والأخبار من تواريخ العلماء الكبار والمشايخ الأخيار الذين درجوا في زماني وشالت نعامتهم في عصري وأواني من الذين تبركت بصحبتهم أو تشرفت بمجرد رؤيتهم أسكنهم اللّه فراديس الجنان وأنزلهم بلطفه خير مستقر ومكان ويا عجبا من هذه البحور كيف وسعها أصداف القبور ومن هذه الجبال كيف واراها الآل حتى لم يبق منها الا التصور والخيال وقصدت في ذلك إلى أحسن المسالك من أوفق العبارات وارشق الإشارات ولعمري ان ذلك يعد عند الأكثرين من تضييع الأوقات لأن المعارف عندهم خرافات فأنا قد انتهيت إلى زمان يرون الأدب عيبا ويعدون التضلع من الفنون ذنبا وإلى اللّه الحنان المشتكى من هذا الزمان قد سل سيف بغيه وعدوانه على من تحلى وتقدم على أقرانه وأوفق نبله لكل ذي نبل ظاهر وشرف باهر فالتبس الدر بالزجاج واشتبه العذب بالاجاج وضاع أرباب الألباب كالذباب في الضباب فصارت المعارف طيف خيال أو ضيفا على شرف ارتحال وضعف أساس العلم وبنيانه وتضعضعت أركانه وخمدت ناره وكاد أن تمحى آثاره :
وكان سرير العلم صرحا ممرّدا * يناغي القباب السبع وهي عظام
متينا رفيعا لا يطار غرابه * عزيزا منيعا لا يكاد يرام
يلوح سنى برق الهدى من بروجه * كبرق بدا بين السحاب يشام
فجرّت عليه الرامسات ذيولها * فخرّت عروش منه ثم دعام
محا الذّاريات البوم آيات حسنه * فلم يبق منها آية ووسام