تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
بلاد الفرنج وقد اعتدوا وحشدوا ، فكانت وقعة الزلاقة المشهورة ، وكسرهم كسرة شنيعة ، واستأصلهم قتلا ، ولم ينج منهم إلا ملكهم في نفر يسير ، وغنم المسلمون أموالهم ، حتى قيل : إنه حصل لبيت المال من دروعهم ستون ألف درع ، وأما الدواب على اختلاف أنواعها . . فلم ينحصر لها عدد . وله مع الفرنج حروب عديدة أذلهم فيها ، ونال منهم قتلا ونهبا وتخريبا لديارهم إلى أن التمسوا منه الصلح فصالحهم ، وانتقل إلى مدينة سلا ، وبنى بالقرب منها مدينة عظيمة على هيئة الإسكندرية سماها : رباط الفتح ، ثم رجع إلى مراكش ، وتوفي بها في سنة خمس وتسعين وخمس مائة . ثم إنه لما رجع إلى مراكش . . تجرد عن الملك ، وساح في البلاد ، وانتهى إلى بلاد المشرق وهو مستخف لا يعرف ، ومات خاملا . قال الشيخ عبد اللّه اليافعي في « تاريخه » : ( ويؤيد هذا القول ما سمعت ممن لا أشك في صلاحه من الفقراء الصادقين من بلاد المغرب : أن جمعا من شيوخ المغاربة ذكروا رسالة الأستاذ أبي القاسم القشيري وما جمع فيها من المشايخ المشارقة ، فأحبوا معارضتها برسالة مشتملة على الشيوخ المغاربة ، فقال : إن في رجال القشيرية من تجرد عن الملك ، ولا تجد في شيوخ المغرب من هو كذلك ، فما يتم لنا ذلك إلا بملك منها يزهد ويسلك طريق ابن أدهم ، فجاء الولي الشهير أبو إبراهيم المغربي إلى أمير المؤمنين يعقوب المذكور واجتمع به ، فسر به يعقوب ، وأخرج له من خزائنه جواهر نفيسة ؛ إكراما له في مجيئه إليه ، فالتفت أبو إبراهيم إلى شجرة هنالك وإذا هي حاملة جواهر تدهش العقول ، فدهش أمير المؤمنين يعقوب من ذلك ، وهاله ما رأى من تصريف عباد اللّه في ملك اللّه ، فاحتقر ما هو فيه من ملك الدنيا ، فزهد فيه ، وصار من كبار الأولياء ) « 1 » . وإلى الأمير يعقوب المذكور تنسب الدنانير اليعقوبية العربية . ولما اتفق له بمراكش ما اتفق من التزهد أو الموت . . بويع ولده أبو عبد اللّه محمد بن يعقوب ، ولقب بالناصر ، وارتجع المهدية من الملثم المتقدم ذكره وكان قد استولى عليها . وتوفي محمد بن يعقوب سنة ست عشرة وست مائة ، يقال : إنه أوصى عبيده بحفظ بستانه وحراسته ، ثم تنكر ، وجعل يمشي في البستان ليلا ، فلما رآه الحرس . . ابتدروه
هامش
( 1 ) « مرآة الجنان » ( 3 / 483 ) .