تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
كان يسكن قرية الظرافة - بضم الظاء المعجمة - قرية شرقي سهفنة ، وكان يتردد إلى الجند ؛ رغبة في زيارة مسجدها ومذاكرة علمائها ، وكان والي الجند حسن الظن بالفقيه ، فلم يزل يتلطف به ويرغبه في سكنى الجند لينتفع الناس بعلمه حتى أجابه إلى ذلك بشرط ألا يلزمه الحكم ، وألا يدعوه إلى منزله ؛ فإن دعاه . . فلا يكلفه أكل طعام ، فالتزم له ذلك ، ثم إنه حدث للوالي ما أوجب أن يدعوا الناس إلى بيته ، فاستدعى الفقيه من جملتهم ، فلما صاروا إلى الطعام والفقيه ممسك يده . . ناوله الوالي موزة أو موزتين وقال : يا سيدي الفقيه ؛ هذا أهداه لي فلان ، وذكر له رجلا معروفا بالحل ، وجعل يتلطف بالفقيه ليأكل من طعامه ، فاستحيى الفقيه ، فأخذ الحبة وأكل منها بعضا ، ثم قام مبادرا مظهرا أن له عذرا ، فلما صار في الدهليز . . أخرج الحبة من بطنه ، ثم سار إلى بيته . ولم يزل مقيما بالجند إلى أن قدم الصليحي في سنة أربع وخمسين وأربع مائة ، فدخل عليه الفقيه من جملة فقهاء الجند للسلام ، وكان الصليحي قد استخبر عنهم ، وحقق حال الفقيه وعلمه وصلاحه ، فقال له : يا فقيه ؛ القضاء متعين عليك ، ونريد منك تقبله ، فقال الفقيه ما معناه : لا أصلح له ، ولا يصلح لي ، فأعرض الصليحي مغضبا ، واشتغل عنه بالحديث مع الحاضرين ، فخرج الفقيه مبادرا ، وجد في السير إلى قريته ، فسأل عنه الصليحي بعد ساعة ، فقيل : قد خرج ، فأمر بطلبه ، فلم يوجد في البلد ، فأمر جماعة يلحقونه إلى بلده ويقعون به ، فخرجوا في أثره وأدركوه على قرب من قريته ، فضربوه بسيوفهم ، فلم تقطع فيه شيئا ، غير أنه من شدة ألم الضرب وتكرره وقع على الأرض مغشيا عليه ، فتركوه ورجعوا إلى الصليحي ، وأخبروه أن سيوفهم لم تقطع فيه شيئا ، فأمرهم بكتم ذلك ، ثم إن بعض المارة رأى الفقيه على تلك الحالة ، فصاح بأهل القرية ، فحملوه إلى بيته ، ورشوا عليه الماء حتى أفاق ، وسألوه عن قصته ، فأخبرهم الخبر ، فقيل له : هل كنت تقرأ شيئا ؟ قال : كنت أقرأ سورة يس ، وقيل : جاءوه وقد أحرم بالصلاة ، فلم يشعر بشيء من فعلهم به ، ولم يزل الصليحي بعد ذلك يعظمه ويحترمه ، ويحترم أصحابه ، ويعفي أراضيهم من الخراج ، ويقبل شفاعته فيما شفع ، ويقول : ليس في فقهاء السنة مثله . ومن مصنفاته : كتاب « التقريب » وكتاب « الجامع » وهو من الكتب النافعة المعدودة . وكانت وفاته تقريبا على رأس ستين وأربع مائة .