تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر — صفحة 504

مساهمون:

ص٥٠٤
قال أبو شبيب الصدفي : لم يسمع في الإسلام بمثل سبايا موسى بن نصير . وحصل في البلاد قحط شديد ، فأمر الناس بالصوم والصلاة وإصلاح ذات البين ، وخرج بهم إلى الصحراء ومعه سائر الحيوانات ، وفرق بينها وبين أولادها ، فوقع الصراخ والبكاء والضجيج ، وأقام على ذلك إلى منتصف النهار ، ثم صلّى وخطب بالناس ، ولم يذكر الوليد بن عبد الملك ، فقيل له : ألا تدعو لأمير المؤمنين ؟ قال : هذا مقام لا يدعى فيه لغير اللّه ، فسقوا . فلما تقررت له القواعد . . كتب إلى مولاه طارق وهو بطنجة وأمره بغزو بلاد الأندلس ، فصعد طارق إلى جبل يعرف اليوم بجبل طارق ؛ لأنه نسب إليه لما حصل عليه . وذكر عن طارق : أنه كان نائما في المركب وقت التعدية ، وأنه رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلم والأربعة الخلفاء رضي اللّه عنهم يمشون على الماء حتى مروا ، وبشره النبي صلّى اللّه عليه وسلم بالفتح ، وأمره بالرفق على المسلمين ، والوفاء بالعهد . وكان صاحب طليطلة ومعظم بلاد الأندلس ملك يقال له : لذريق ، ولما نزل طارق من الجبل بالجيش . . كتب نائب لذريق إليه كتابا وقال : إنه قد وقع قوم بأرضنا لا ندري من السماء هم أم من الأرض ، فأقبل في سبعين ألف فارس ، ومعه العجل يحمل الأموال والمتاع ، وهو على سريره بين دابتين ، عليه قبة مكللة بالدر والياقوت والزبرجد ، فلما دنا من طارق وعسكره . . قال طارق لمن معه : أين المفر والبحر من ورائكم والعدو من أمامكم ؟ ! فليس لكم واللّه إلا الصدق والصبر ، وليس لكم وزير إلا سيوفكم ، فلما التقوا . . حمل طارق على سرير لذريق وقد رفع على رأسه رواق ديباج يظله ، وهو في غاية من البنود والأعلام وبين يديه المقاتلة والسلاح ، وحمل أصحاب طارق ، فتفرقت المقاتلة من يدي لذريق ، فخلص إليه طارق ، فضربه بالسيف على رأسه فقتله على سريره ، فلما رأى أصحابه مصرع ملكهم . . اقتحم الجيشان ، فكان النصر للمسلمين ، ولم يزل طارق يفتح البلاد وموسى بن نصير قد التحق به إلى أن بلغ ساحل البحر المحيط . فلما بلغ موسى بن نصير موت الوليد بن عبد الملك وتولية أخيه سليمان . . قصد سليمان بن عبد الملك في سنة سبع وتسعين ، فحج سليمان تلك السنة بالناس ، وحج معه موسى بن نصير ، وتوفي موسى بوادي القرى في السنة المذكورة .