عنه ، فلما عزم على هدمها . . خرج الناس من مكة إلى الطائف وإلى منى ، وتلكأ المعمار من هدمها تهيبا ، فهدمها ابن الزبير بنفسه ، وشرع في هدمها عبد حبشي دقيق الساقين ؛ تفاؤلا بأن يكون ذلك هو ما حدّث من أن يهدمها ذو السويقتين من الحبشة « 1 » ، ولم يرجع من خرج من مكة حتى شرع في بنائها ، وبعضهم حتى أكملها ، وأراد أن يبنيها بالورس ، فقيل له : لا يستمسك البناء به كالجص ، فبعث من يأتي بالجص من صنعاء ، ولما فرغ من بنائها : قال : من لي عليه طاعة فليخرج ويعتمر شكرا للّه تعالى ، فخرج في السابع والعشرين من رجب ماشيا ، وخرج الناس معه ، فلم ير يوم أكثر ماشيا ونحرا وذبحا وصدقة من ذلك اليوم ، ومن ثم صار كثير من الناس يعتمرون في سابع وعشرين من رجب .
ولما قوي أمر عبد الملك بقتله مصعب بن الزبير ، واستيلائه على العراق والشام ومصر . . أرسل الحجاج لقتال ابن الزبير ، فحاصره الحجاج في أول القعدة من سنة اثنتين وسبعين ، وحج تلك السنة بالناس ، ورمي بالمنجنيق من مكة ، فكان حجر المنجنيق يصيب ثوب ابن الزبير وهو ساجد فلا يرفع رأسه ، فلما طال الحصار على أصحابه . . انصرفوا عنه ، وأرسل إليه الحجاج : أن سلم نفسك لعبد الملك بن مروان يرى فيك رأيه ولك الأمان ، فاستشار والدته في ذلك ، فقالت : يا ولدي ؛ إن كنت قاتلت لغير اللّه . . فقد هلكت ، وإن كنت قاتلت للّه . . فلا تسلم نفسك لبني أمية يلعبون بك ، ولئن قتلت . . إنك لكريم ، فقال :
إنه لم يبق معي معين على القتال ، فقالت : فلعمري ؛ إنك معذور ، ولكن شأن الكرام أن يموتوا على ما عاشوا عليه ، فخرج من عندها ، وحمل على جيش الحجاج بأعلى مكة وهو يقول : لو كان قرني واحد . . لكفيته ، فلم يزل يقاتل ويقتل فيهم حتى أصابته في رأسه رمية داخ منها فوقع ، فصاحت مولاة لآل الزبير : وا أميراه ، فعرفوه ولم يكونوا عرفوه قبل ذلك لما عليه من لباس الحرب ، فقصدوه من كل مكان وقتلوه - قتلهم اللّه - في سابع جمادى الأولى من سنة ثلاث وسبعين .
قلت : وفي « الرياض المستطابة » للعامري : ( وعمره ثلاث وسبعون سنة ، وكان مدة الحصر سنة أشهر وسبع عشرة ليلة ) ا ه « 2 » واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) أخرج البخاري ( 1591 ) ، ومسلم ( 2909 ) عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة » .
( 2 ) « الرياض المستطابة » ( ص 202 ) .