تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
بينه وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فأبى عليه ، فلم يزل يخادعه بقول الزور ويمنّيه أمانيّ . . حتى أجاب إلى النقض على أن أعطاه العهد : لئن رجعت تلك الجموع خائبة . . أن يرجع معه إلى حصنه يصيبه ما أصابه ، فزاد الأمر اشتدادا حتى بعث صلّى اللّه عليه وسلم إلى عيينة بن حصن الفزاري ، والحارث بن عوف المرّي قائدي غطفان ، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يفرّقا الجمع . فلما تم ذلك ولم يبق إلا الكتاب . . استشار صلّى اللّه عليه وسلم السّعدين سيّدي الأنصار ، فقالا : يا رسول اللّه ؛ أمر أمرك اللّه به لا بد منه أم أمر تحبه فنصنعه أم لنا ؟ فقال : « بل لكم ؛ رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة ، فأردت أن أكسر شوكتهم » . فقال سعد بن معاذ : قد كنا نحن وهؤلاء على الشّرك لا يطمعون منا بتمرة إلا قرى أو بيعا ، أفحين أكرمنا اللّه بالإسلام ، وأعزنا بك نعطيهم ؟ ! واللّه ؛ لا نعطيهم إلا السيف ، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أنت وذاك » « 1 » ، [ وترك ما كان همّ به من ذلك ، ثم أقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ] وليس بينهم وبين العدو إلا الرمي بالنبل والحصى ، إلا أن عكرمة بن أبي جهل وعمرو بن عبد ودّ في فوارس من قريش لما وقفوا على الخندق . . قالوا : إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها ، ثم أقحموا خيولهم مهزما من الخندق « 2 » ، وجالوا في السبخة ، فخرج عليهم علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين ، فأخذ عليهم الثغرة التي اقتحموا ، وأقبلت خيل قريش نحوهم ، فقتل علي عمرو بن عبد ودّ ، وألقى عكرمة رمحه ، وولّوا منهزمين ، ففي ذلك قال حسان : [ من المتقارب ]
فرّ وألقى لنا رمحه * لعلك عكرم لم تفعل وولّيت تعدو كعدو الظّليم * ما إن تحور عن المعدل ولم تلق ظهرك مستأنسا * كأنّ قفاك قفا فرعل « 3 »
وسقط نوفل بن عبد اللّه المخزومي في الخندق ، فنزل إليه علي فقتله ، وأصيب يومئذ سعد بن معاذ ؛ رماه حبّان ابن العرقة بسهم في أكحله ، فقال سعد : اللهم ؛ إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا . . فأبقني له ، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم . . فاجعله لي
هامش
( 1 ) أخرجه الطبراني في « الكبير » ( 6 / 28 ) ، وابن سعد ( 2 / 69 ) ، وابن هشام ( 3 / 223 ) . ( 2 ) المهزم : المكان الضيق . ( 3 ) عكرم : مرخم عكرمة ، والظليم : ذكر النعام ، وتحور : ترجع ، وفرعل : ولد الضبع ، وقيل : ولد الذئب منه .