تخطي إلى المحتوى الرئيسي

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
يغدون كل غداة إلى الحرّة ينتظرون حتى يردّهم حرّ الظهيرة ، فانقلبوا يوما بعد ما طال انتظارهم ، فلما أووا إلى بيوتهم . . أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه ، فبصر برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه مبيّضين يزول بهم السّراب « 1 » ، فلم يملك اليهودي أن قال : يا معشر العرب ؛ هذا جدّكم الذي تنتظرون ، فثار المسلمون إلى السلاح ، فتلقّوا النبي صلّى اللّه عليه وسلم بظهر الحرّة ، فعدل بهم ذات اليمين ، حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين في شهر ربيع الأول « 2 » ، وقيل : لثنتي عشرة منه ، وقيل : لثمان . وقيل : كان نزوله بقباء على كلثوم بن الهدم ، وقيل : على سعد بن خيثمة ، فمكث صلّى اللّه عليه وسلم بقباء أربع عشرة ليلة ، أسس فيه المسجد الذي أسّس على التقوى ، وهو أول مسجد بني في الإسلام ، وصلّى فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وكان مربدا لكلثوم بن الهدم « 3 » ، وهو الذي ذكره اللّه في كتابه العزيز :
لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ
« 4 » ، وكان صلّى اللّه عليه وسلم يأتيه كل اثنين وخميس راكبا وماشيا ، وورد في فضله أحاديث كثيرة « 5 » . ثم سار صلّى اللّه عليه وسلم من قباء يوم الخميس - وقيل : يوم الجمعة - فأدركته الصلاة في بني سالم بن عوف ، فصلاها في بطن وادي رانوناء « 6 » ، فكانت أول صلاة جمعة صلاها بالمدينة . قال حافظ اليمن يحيى العامري : ( واتخذ موضع مصلاه مسجدا ، ويسمى : مسجد الجمعة ، وهو مسجد عتبان بن مالك الذي شكى إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه يحول بينه وبين السيل ، وكان صلّى اللّه عليه وسلم لما ركب من قباء كلما مرّ على دور من
هامش
( 1 ) مبيّضين ؛ أي : عليهم الثياب البيض التي كساهم إياها الزبير أو طلحة ، وقيل : يحتمل أن يكون معناه : مستعجلين . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 3906 ) ، والحاكم ( 3 / 11 ) . ( 3 ) المربد - بكسر الميم - : موضع تجعل فيه الإبل والغنم ، وموضع للتمر ينشف فيه . ( 4 ) أخرجه البخاري ( 3906 ) من حديث طويل . ( 5 ) انظر « صحيح البخاري » ( 1192 - 1193 ) ، و « صحيح مسلم » ( 1399 ) ، لكن المروي في « الصحيحين » وغيرهما : أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان يأتي قباء يوم السبت ، واللّه أعلم . ( 6 ) ذكرها ياقوت في « معجم البلدان » ( 3 / 19 ) ، وقال بعد أن ساق نص ابن هشام في « السيرة » : ( وهذا لم أجده في غير كتاب ابن إسحاق الذي لخصه ابن هشام ، وكلّ يقول : صلّى بهم في بطن الوادي ) ا ه لكن ذكره السمهودي في « وفاء الوفا » ( 3 / 1072 ) ضمن أودية المدينة نقلا عن ابن شبّة .