فسرت معه إلى شيخنا قاضي القضاة الشاميّ فقلت له : أدام اللّه عزك ، هذا ابن شيخ الأندلس ، فقال : لعله ابن الباجي ؟ فقلت : نعم ، فأقبل عليه .
قال القاضي عياض : كثرت القالة في أبي الوليد لمداخلته للرؤساء ، وولي قضاء أماكن تصغر عن قدره « كأوريولة « 1 » » فكان يبعث إليها خلفاءه وربما أتاها المرة ونحوها ، وكان في أول أمره مقلا ، حتى احتاج في سفره إلى القصد بشعره ، واستئجار نفسه مدة مقامه ببغداد فيما سمعته ، مستفيضا لحراسة درب ، وقد جمع ابنه شعره ، وكان ابتداؤه لكتاب « الاستيفاء » في الفقه ، لم يصنع منه سوى كتاب الطهارة في مجلدات .
قال : ولما قدم الأندلس وجد لكلام ابن حزم طلاوة ، إلا أنه كان خارجا عن المذهب ، ولم يكن بالأندلس من يشتغل بعلمه ، فقصرت ألسنة الفقهاء عن مجادلته وكلامه ، واتبعه في رأيه جماعة من أهل الجهل ، وحلّ بجزيرة ميورقة « 2 » فرأس فيها واتبعه أهلها ، فلما قدم أبو الوليد كلموه في ذلك ، فدخل عليه وناظره وشهر باطله ، وله معه مجالس كثيرة .
ولما تكلم أبو الوليد في حديث الكتابة يوم الحديبية الذي في البخاري ، قال : بظاهر لفظه ، فأنكر عليه الفقيه أبو بكر بن الصائغ ، وكفره بإجازة الكتب على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم النبي الأمي وأنه تكذيب للقرآن ، فتكلم في ذلك من لم يفهم الكلام ، حتى أطلقوا الفتنة ، وقبحوا عند العامة ما أتى به ، وتكلم به خطباؤهم في الجمع ، وقال شاعرهم :
هامش
( 1 ) في الأصل « أوربولة » ، والمثبت في معجم البلدان لياقوت الحموي . وأوريولة : بالضم ثم السكون وكسر الراء وياء مضمومة ولام وهاء ، مدينة قديمة من أعمال الأندلس من ناحية تدمير ، بساتينها متصلة ببساتين مرسية ( معجم البلدان لياقوت 1 / 403 ) .
( 2 ) ميورقة : بالفتح ثم الضم وسكون الواو والراء وقاف ، جزيرة في شرقي الأندلس ( المصدر السابق 4 / 720 ) .