أتحسب عند الموت أنّك تعدم * وذاك الوجود الحقّ لو كنت تفهم
جهلت فخلت الجوهر الفرد ما له * وجود ولا موجود إلا التجسّم
حياتك نوم والردى لك يقظة * تأمّل رويدك إنّما أنت تحلم
ونفسك فاعلم حيّة أبدية * وإن بان عنها شخصها المتجسّم
وما الموت إلا أن تفارق جسمها * إلى أمد من عمرها يتصرّم
وتجلي غطاء عنك توقن بعده * بما لم تكن من قبله تتوهّم
ولله في تركيبها عند بدئها * وعودتها للجسم سرّ مكتّم
وفي الوعد والإيعاد والنشر والبلى * له نبأ جهل ( 1 ) خطب معظّم
يحار ذوو الألباب فيه فبعضهم * يعارض من جهل وبعض يسلّم
وأنّى لجزئيّ بجزئيّ عقله * ترنّم بالكليّة مترنّم
أساويت بين النفس والجسم ضلّة * وكيف يساوي ذا الفصاحة أعجم
وهل كان هذا الجسم يعقل ما حوى * من العلم لولا النفس أو تتكلّم
بها حيي الجسم الذي كان ميّتا * وأضحى يروّي في الأمور ويجزم
فإن قلت لا وجدان للنفس دونه * نقضت ولم تدر الذي أنت تعزم
فإن قلت إنّ الجسم حيّ لذاته * فقولك أدهى في المحال وأعظم
لأنّ حياة الجسم تعدم مرّة * ولو أنّها للذات لم تك تعدم
لذلك لم يعدم من النفس فاغتدت * مؤبدة تبقى ولا تتحرّم
فإن قلت نفس الجسم فاعلم من أوجه * كما قال جالينوس فالزور أحسم
لأنا نرى سوء المجاز مغيّرا لجسم * الفناء والمرء إذ ذاك أفهم
وتبصر جسم المرء يضوي وعقله * يزيد ويضوي العقل والجسم يضخم
وقد جعلوا أقوى الحجاج مقالة * توهّمها ذو غفلة متوهم
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب — صفحة 477
مساهمون: جلال الدين السيوطي
ص٤٧٧