فقالوا رأينا الطفل تضعف نفسه * ويضعف من ذي الشيب أزمان تحلم
ويقوى لذا حال الشباب فدلّنا * على أنّها للجسم تلوّ ملزّم
فقلنا وهمتم إنّما الجسم آلة * بها تفعل النفس الأمور وتحكم
فإن قويت آلاتها لاح فعلها * بأعضاء ذاك الجسم وهو متمّم
وإن ضعفت آلاتها كان عجزها * من الجسم لا من ذاتها فتفهّم
كما يعجز الأعمى ومن هو مقعد * وذو الصمم البادي ومن هو أجذم
وليس لعجز النفس لكن لآلة * بها عن قبول الفعل عجز مخيّم
وروح الفتى شيء سوى النفس هالك * مع الجسم يروي ذاك قوم ويزعم
له القلب مثوى عنده ويمدّه * نسيم الهوى المستنشق المتنسّم
وقد قيل إنّ الروح والنفس واحد * وما لهما عدم ولا متصرّم
وقد قيل إنّ الروح أشرف عنصر * من النفس وهو الناطق المتكلّم
فدع قول من يقضي على النفس بالردى * ويحسب أنّ الموت فيه التصرّم
وأيقن إذا ما متّ أنّك صائر * لحالين إما شقوة أو منعّم
وجملة أصناف العلوم ثلاثة * كذا قيل في تقسيمها إذ تقسّم
فعلم تعاليم وعلم طبيعة * وعلم إلهيّ إليه التسلّم
هو الغرض الأقصى وما قبله له * مقدمة للناظرين تقدّم
وكلّ له فعل كما قال ذو النّهى * وحضّ على إثباته من يعلم
وفعل الإلهيّ الشريف منسك * وكيف ترى الفعل الخناء وتأثم
وحفظ لما قال النبيّون إنّهم ألبّ * وأدرى بالأمور وأعلم
فخذ بوصايا العارفين وهديهم * لعلّك عند الموت تنجو وتسلم
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب — صفحة 478
مساهمون: جلال الدين السيوطي
ص٤٧٨