قال قاضي القضاة بالأندلس وهو المنذر بن سعيد البلوطيّ : أتيت وابن النحّاس في مجلسه بمصر يملي في أخبار الشعراء شعر قيس المجنون حيث يقول :
خليلي هل بالشام عين حزينة * تبكي على نجد لعلّي أعينها
قد أسلمها الباكون إلا حمامة * مطوقة باتت وبات قرينها
تجاوبها أخرى على خيزرانة * تكاد يدنيها من الأرض لينها
فقلت له : يا أبا جعفر ، ما ذا أعزّك الله باتا يصنعان ؟ فقال لي : وكيف تقوله أنت يا أندلسيّ ؟ فقلت له : « بانت وبان قرينها » فسكت ، وما زال يستثقلني بعد ذلك حتى منعني كتاب العين ، وكنت ذهبت إلى الانتساخ من نسخته ، فلما قطع بي ، قيل لي : أين أنت عن أبي العباس بن ولّاد ، فقصدته ، فلقيت رجلا كامل العلم والأدب حسن المروءة ، فسألته الكتاب ، فأخرجه إليّ ، ثم تندّم أبو جعفر لما بلغه إباحة أبي العباس الكتاب لي ، وعاد إلى ما كنت أعرفه منه .
قال : وكان أبو جعفر لئيم النفس شديد التقتير على نفسه ، وكان ربّما وهبت له العمامة فيقطعها ثلاث عمائم ، وكان يأبى شراء حوائجه بنفسه ، ويتحامل فيها على أهل معرفته .
مات بمصر لخمس خلون من ذي الحجة سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة . ذكر ذلك كلّه الزّبيديّ . وقال غيره : وحبّب إلى الناس الأخذ عنه ، وانتفع به خلق .
جلس على درج المقياس بالنيل يقطّع شيئا بالعروض من الشعر ، فسمعه جاهل ، فقال : هذا يسحر النيل حتى لا يزيد ، فدفعه برجله في النيل ، فمات غريقا سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة .