تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب — صفحة 705

مساهمون:

ص٧٠٥
ولما مات المازنيّ ، اجتازت جنازته على أبي الفضل الرياشيّ ، فقال متمثّلا :
لا يبعد الله أقواما رزئتهم * أفناهم حدثان الدهر والأبد نمدّهم كلّ يوم من بقيتنا * ولا يئوب إلينا منهم أحد
قال المنذريّ في نظم الجمان : سئل المازنيّ عن أهل العلم ، فقال : أصحاب القرآن فيهم تخليط وضعف ، وأهل الحديث فيهم حشو ورقاعة ، والشعراء فيهم هوج ، وأصحاب النحو فيهم ثقل ، وفي رواية الأخبار الظرف كلّه ، والعلم هو الفقه . وفي معاني مشكل القرآن : أخبرني سليمان عن أبي عثمان المازنيّ أنّه قال : الأمر في القرآن على ستة أوجه : فوجه اللفظ والمعنى فيه واحد ، مثل :
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ
[ سورة البقرة ، الآية : 43 ] . والثاني : على وجه التهدّد ، مثل قوله :
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ
[ سورة المزمل ، الآية : 11 ]
وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ
[ سورة الإسراء ، الآية : 64 ] . والثالث : طلب ، مثل :
اغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا
[ سورة البقرة ، الآية : 286 ] والأمر لمن هو دونك ، والطلب لمن هو أنت دونه ، واللفظ فيهما سواء . والرابع : لفظه لفظ الأمر ومعناه معنى التعجّب ، مثل قوله :
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ
[ سورة مريم ، الآية : 38 ] أي : ما أسمعهم وأبصرهم ! والخامس وجه لطيف ، مثل قوله :
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي
[ سورة النحل ، الآية : 68 ] أي فاتخذت ، ثم أكلت ، فسلكت ، ولم يأمرها بشيء ، ولكن خبّر عنها بلفظ الأمر . والسادس : قوله :
فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ
[ سورة الجمعة ، الآية : 10 ]
وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا
[ سورة المائدة ، الآية : 2 ] فهذا على وجه الإباحة والتخيير ، وليس بحتم ، إن شاء فعل ، وإن شاء لم يفعل . وقال السيرافيّ : حدثنا أبو مزاحم حدثنا ابن أبي سعد قال : حدثنا أبو عثمان المازنيّ ، قال : سألني الأصمعيّ عن هذا :
يا بئر يا بئر بني عديّ * لأنزحنّ قعرك بالدّليّ حتى تعودي أقطع الوليّ
فقلت : حتى تعودي قليبا أقطع الوليّ .
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب — صفحة 705 | جلال الدين السيوطي / حسن الملخ