حمل المقامات عنه قد شرب مسكرا ، فكتب إليه ، وأنشدناه لنفسه :
أبا زيد اعلم أنّ من شرب الطلا * تدنّس فافهم سرّ قولي المهذّب
ومن قبل سمّيت المطهّر والفتى * يصدّق بالأفعال تسمية الأب
فلا تحييها كيما تكون مطهّرا * وإلّا فغيّر ذلك الاسم واشرب
قال : فلما بلغته الأبيات أقبل حافيا إلى الحريريّ ، وبيده مصحف وأقسم به أن لا يعود إلى شرب مسكر ، فقال له الشيخ : ولا تحاضر من يشربه .
قال ابن النجّار في تاريخ بغداد : أنبأني ابن طارق قال : أنشدني محمد بن عبد الكريم بن الأنباريّ قال : كتب إليّ أبو محمد القاسم بن علي الحريريّ صاحب المقامات :
أهدي إليك خلاصتي ومودتي * قبل اللقاء تعارف الأرواح
ومن القلوب على القلوب شواهد * يشهدن قبل تشاهد الأشباح
قال : فكتبت إليه في الحال عليها :
أهلا بمن أهدى إليّ صحيفة * صافحتها بالروح لا بالراح
وتبلجت فتأرّجت نفحاتها * كالمسك شيب نسيمه بالراح
فكتب إليّ جواب هذه : لقد صدقت رواة الأخبار : إنّ معدن الكتابة الأنبار .
ومن شعر الحريريّ في استهداء مداد وأنشده ابن النجّار :
قل لزين الكفاة فهو الذي فا * ق بفضل الكفاءة الأكفاء
أنا أشكو إليك إن دواتي * أشبهت بعد حسنها شوهاء
شمطت والقذى أحبّ إلى العي * ن وأشهى من أن ترى شمطاء
ولو اتبلّغن مدادا لحاكى * مقلة الظبي حلكة وصفاء
فاقرها منك ما يعيد لها الشئ * ب شبابا ، واستقر منها الثناء
والعجيب العجاب أنّك تسدي * عند تسويدها يدا بيضاء