لقيته في دكانه بالكعكيين « 1 » من القاهرة في جمادى الآخرة سنة ست وأربعين وثمانمائة ، وهو شيخ هم ، ردئ الهيئة والمنظر ، يحسبه من يراه لا يحسن الكلام المتعارف ، فإذا نطق كان كالبحر وأتى بالغرائب ، باعه في الأدب طويل ومادته واسعة وذوقه نهاية ، وهو يرتزق ببيع الكعك ، وله همة حسنة وعنده شرف .
أنشدني هاهنا فأعطيته شيئا فما أجده إلا بعد مراجعة كثيرة ، وأنشدني في التاريخ لنفسه مضمنا :
ولمّا أنعمت ليلى بليل * بطيب الوصل مذ شط المزار
حديث خرافة يا أم عمرو * كلام الليل يمحوه النهار
وأنشدني كذلك مقتبسا :
عيون الحب ما للكحل فيكم * وما للسحر في الأجفان سار
تبارك من توفاكم بليل * ويعلم ما جرحتم بالنهار
وأنشدني كذلك زجلا :
من نحبو جار على ضعفي * نصطبر والصبر لي أجمل
وإن لم اتصبر عليه وإلا قل * لي أيش في يدي ما نعمل
صدفه صبتو قلت لو باللّه * يا من أحرم ناظرى يغفى
في التميم نشتهي قبلة * يا من اختار بالجفا خلفي
قال : وأنا منك نريد خصلة * أن تبين للأنام ظرافى
قلت : قست الغصن لا قدك * صبت قدك في القياس أعدل
والصباح من نور ضيا فرقك * والظلام من سعدك المسبل
قال لي : قست الغصن لا قدى * قلت : أنا أخطيت في قياس قدك
قل وقلت : البدر يشبهني * قلت : سامح بالخطا عبدك
قال : نريد أن نهجرك حتى * أن نقيف يا عبد في حدك
قلت : أيش الذنب يا ولدى * قل لي : باللّه وأيش تريد تعمل
هامش
( 1 ) الكعكيين : شارع الكعكيين ، أوله آخر شارع الغورية عن يسار الذاهب إلى العقاديين ، وآخره أول شارع الباطلية .
انظر : الخطط التوفيقية 2 / 266 .