ويشتهر بين الأفاضل ، كمال فضله ، ومتانة طبعه حتّى ظهر أمره ، وعلا قدره ، وحصل له من السّلطان مكانة ونعمة .
ثم كان يرشح من كلامه نوع من التشبّث بالخلافة ، ودعوة إلى اتّباع فضله وادّعاء استحقاق الإمامة . وتبيض وساوس الشّيطان في رأسه ، وتفرّخ ، ويرفع الكبر بأنفه « 1 » ويشمخ ، فاضطرّه الحال إلى مفارقة بغداد ، ورجع إلى همذان فأقام بها يدرّس ويفيد ، ويصنّف مدّة . ومن شعره « 2 » : [ من الطويل ] :
وهيفاء لا أصغي إلى من يلومني * عليها ويغريني بها أن يعيبها
أميل بإحدى مقلتيّ إذا بدت * إليها وبالأخرى أراعي رقيبها
وقد غفل الواشي ولم يدر أنّني * أخذت لعيني من سليمى نصيبها
وله أيضا « 3 » : [ من البسيط ] :
بيضاء إن نطقت في الحيّ أو نظرت * تقاسم الشّمس أسماع وأبصار
والرّكب يسرون والظّلماء عاكفة * كأنّهم في ضمير اللّيل أسرار
فأسرعوا وطلى الأعناق مائلة * حيث الوسائد للنّوّام أكوار
وأثبتّ عن حماد الحرّانيّ قال : سمعت السّلفي يقول : كان الأبيورديّ واللّه من أهل الدين والخير والصّلاح ، والثقة « 4 » . قال لي : واللّه ما نمت في بيت فيه كتاب اللّه أو حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، احتراما لهما أن يبدو منّي شيء لا يجوز .
وأنشدنا أبو الحسين النّوبيّ ، أنا جعفر ، نا السّلفيّ ، أنشدنا الأبيورديّ لنفسه « 5 » : [ من المنسرح ] :
وشادن زارني على عجل * كالبدر في صفحة الدّجى لمعا
فلم أزل موهنا لحديثه * والبدر يصغي إليّ مستمعا
وصلت خدّيّ بخدّه شغفا * حتّى التقى الرّوض والغدير معا
هامش
( 1 ) قال ابن الجوزي : كان فيه تيه وكبر زائد يخرج صاحبه إلى الحماقة 17 / 136 .
( 2 ) الأبيات في ديوان الأبيوردي 2 / 193 ، ووفيات الأعيان 4 / 446 ، وسير أعلام النبلاء 19 / 287 .
( 3 ) الأبيات في ديوان الأبيوردي 2 / 185 ، وسير أعلام النبلاء 19 / 287 .
( 4 ) سير أعلام النبلاء 19 / 285 .
( 5 ) انظر : الذهبي : سير أعلام النبلاء 19 / 285 . ولم ترد هذه الأبيات في ديوان الأبيوردي المطبوع .