قدم نيسابور فوعظ فأبدع وأعجب المستمعين بحسن إيراده ، ونكت أنفاسه ، وملاحة قصصه . وظهر له القبول عند الخاص والعامّ ، بغرابة إشاراته ، ووقع كلماته المطابقة لجلالته . وكان له سكون وهيبة ، وأناة وتؤدة ، وطريقة غريبة في تمهيد كلام سنّي غير مسبوق على نسق واحد ، مشحون بالإشارات الدقيقة ، والعبارات الحلوة الرشيقة .
خرج إلى العراق ، ولقي ببغداد قبولا بالغا ، ثم عاد إلى نيسابور ، وأقام بها مدة ، وسلّم إليه المدرسة ، بباب الجامع المنيعيّ ، فسكنها ، ولم يزل قبوله في ازدياد .
وسمع الحديث في كبره ، ولم يحدّث . ومات كهلا في جمادى الآخرة .
قال ابن النجار : هو والد الواعظ المشهور أبي منصور المظفّر . قدم أبو الحسن الأمير بغداد ، سنة خمس وثمانين وأربعمائة ليحج ، فحجّ وعاد ووعظ ، وازدحموا عليه ، وازداد التعصّب له إلى أن منع من الجلوس ، فردّ إلى بلده . وكان بديع الألفاظ ، حلو الإيراد ، غريب النكت .
سمع من : أبي الفضل بن خيرون ، وغيره « 1 » . وحدّث بمرو .
قال ابن السمعاني « 2 » : سمعت عليّ بن عليّ الأمين يقول : اتّفق أنّ واحدا به علّة جاء إلى العبّادي ، فقرأ عليه شيئا فعوفي فمضيت معه إلى زيارة قبر أحمد ، فلمّا خرجنا : إذا جماعة من العميان والزّمنى على الباب ، فقالوا للأمير : نسألك أن تقرأ علينا . فقال :
لست بعيسى بن مريم ، وذلك قول وافق القدر .
وقيل : إن بعض الناس ، دخل على العبّادي ، فقال له : قم فاغتسل فقام ، وكان جنبا .
وجاء عنه زهد وتعبّد ، وتكلّم على الخواطر ، وتاب على يده خلق كثير . وكان أمّارا بالمعروف ، مريقا للخمور ، مكسّرا للملاهي ، وصلح أهل بغداد تلك الأيام به ، واللّه يرحمه ويغفر له « 3 » .
602 - علي بن عبد الرحمن بن هارون بن عبد الرحمن بن عيسى بن هارون بن الجراح .
هامش
( 1 ) ابن الجوزي : المنتظم 17 / 88 .
( 2 ) ابن السمعاني : الأنساب 8 / 336 .
( 3 ) ابن الجوزي : المنتظم 17 / 88 .