تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( دمشق ) — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
آراء جيدة ، ومعرفة تامّة بأحوال المملكة ، لما مرّ بهم من التّجارب . وكان إذا نزل به حادث من ثلم ثغر ، أو حدوث فساد علم به قبل كلّ أحد ، وبادر بجمع الأمراء وإعلامهم بما حدث . فإذا رأى ما هم فيه من الانزعاج لذلك أخذ في تسكين روعهم وقال : « عوائد اللّه تعالى في عبده جميلة ، ولطائفه به معهودة » فيدير الرّأي ، ويشير كلّ منهم بما يراه ، وهو مصغ لهم ، وكانوا لكثرة إحسانه لهم قد أحبّوه بكلّ قلوبهم ، فيبذلون له النّصح بجهدهم ، ثم ينفضوا عنه فيستدعي واحدا واحدا منهم في خلوة ، ويفاوضه في أمر أجنبيّ مما نزل به ، ثم يعرّض له بذلك الحادث حتّى لا يظنّ أنّه محتاج إليه في الرّأي ، وليعلم ما في باطنه مما عساه كتمه عن أصحابه ، حتى إذا أتى على ما عندهم / اختار منه أو مما يراه في ذلك أمرا ، وأمضى ما عزم عليه ؛ فتبعه الجميع من غير توقّف منهم ولا معارضة في شيء ، فلذلك كانت آراؤه سديدة غير مخطئة في شيء ، وأوامره ماضية مدّة حياة رجال دولة أبيه حتى انقرضوا ، وانتشأ من أتباعه الأحداث ، انحلّ ذلك العقد وتناثر السّلك . وكان كثير الشّفقة على رعيّته ، ناظرا مصالحهم ، متفقّدا لأحوالهم ، قامعا للمفسدين منهم ، فأمنت السّبل في أيّامه بحسن سياسته وجودة تدبيره ، فإنّه استمال من كلّ طائفة من طوائف المفسدين جماعة وقرّبهم منه ، وبالغ في الإحسان إليهم حتى كفّ كلّ جماعة منهم قومهم عن الفساد . هذا واليمن تكاد بلاده أن يكون تحت كل حجر منها مفسد ،