أدرك المتصدّون لكتابة التاريخ ذلك ، فاتجهوا إلى تدوين ما قدمه الإنسان وما نهض به من أدوار في سير الحركة الحضارية في المجتمعات ، فمنهم من عني بتسجيل ظواهر النشاط والمنجزات ، وذلك ما يعبر عنه بالحوادث ، ومنهم من اهتم بكتابة سير الرجال وتراجمهم وذكر أعمالهم ، وهذا ما اصطلح عليه بفن تراجم الرجال ، ومنهم من جمع بين الأمرين في آن معا . يقول ابن قاضي شهبة في خطبة تاريخه :
« ولم يزل الصحابة والتابعون فمن بعدهم يتفاوضون في حديث من مضى ، ويتذاكرون ما سلفهم من الأخبار ، وذلك بيّن من أفعالهم لمن اطّلع على أخبارهم وهم السادة القدوة فلنا فيهم أسوة .
وقد ألّف العلماء - رضي اللّه عنهم - في ذلك تصانيف كثيرة ما بين مبسوط ومختصر ، شكر اللّه سعيهم ، لكن قد اقتصر كثير منهم على ذكر الحوادث من غير تعرّض لذكر الوفيات كتاريخ إمام المؤخرين الإمام الحافظ محمد بن جرير الطبري ، و ( مروج الذهب ) للمسعودي ، و ( الكامل ) لابن الأثير ، وإن ذكر فيها اسم من توفّي في تلك السنة فهو عار عمّا له من المناقب والمحاسن .
ومنهم من كتب الوفيات مجرّدا عن الحوادث ( كتاريخ نيسابور ) للحاكم أبي عبد اللّه ، و ( تاريخ بغداد ) لأبي بكر الخطيب ، والذيل عليه لأبي سعد السمعاني ، ولمحب الدين ابن النجار ، و ( تاريخ دمشق ) لابن عساكر ، و ( تاريخ مصر ) لابن يونس .
وهذا وإن كان أهمّ النوعين فالفائدة إنما تتمّ بالجمع بين الطرفين .
وقد جمع بينهما جماعة من الحفاظ منهم أبو الفرج الجوزي في ( المنتظم )
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( دمشق ) — صفحة 10
مساهمون: المقريزي
ص١٠