أسماه « العبر وديوان المبتدأ والخبر ، وأخبار العرب والبربر ، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر » عرّف لنا في مقدمته النقدية العظيمة علم التاريخ فقال :
« اعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب ، جم الفوائد ، شريف الغاية . إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم ، والأنبياء في سيرهم ، والملوك في دولهم وسياستهم ، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا ، فهو محتاج إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة ، وحسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق ، وينكبان به عن المزلات والمغالط ، لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ، ولم تحكم أصول العادة ، وقواعد السياسة ، وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني ، ولا قيس الغائب منها بالشاهد ، والحاضر بالذاهب ، فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلّة القدم ، والحيد عن جادة الصدق » .
وابن خلدون يتابع في تعريفه هذا للتاريخ ما جرى عليه سلفه من المؤرخين ، ولم يزد على ما وضعوه من حدّ إلا التنبيه على الأخذ بالحيطة والحذر الشّديدين في نقل الأخبار وروايتها ، فمحمّد بن جرير الطّبري قد سبقه إلى هذا المعنى في تعريفه علم التاريخ في خطبة كتابه ( تاريخ الرسل والملوك ) . وابن الأثير الجزري المؤرخ المتوفّى سنة : 630 ه ينحو هذا النحو في تعريف علم التاريخ والتّنبيه على فائدته فيقول :
« أما فوائده الدنيويّة فمنها : أن الإنسان لا يخفى أنه يحبّ البقاء ، ويؤثر أن يكون في زمرة الأحياء ، فيا ليت شعري أيّ فرق بين ما رآه
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( دمشق ) — صفحة 7
مساهمون: المقريزي
ص٧