بكارتها وأقمت معها مدة ، فقالت لي ذات يوم : جميع ما قاله لي أبي عنك وقلت له فيه أنّي رضيت به كان كما أخبرته به إلا قوله : وتشترين أنت له السّرّية من مالك ، ما قلت له فيه أنّي رضيت إلا خوفا منه ومهابة له ، قال : ولم تمض مدة يسيرة حتى رأيت بضاعة تباع لو حملت إلى مصر لربح كلّ درهم عشرات ، فدخلت داري وأنا أسيف على أن يكون معي ثمنها ، فسألتني زوجتي عن سبب تغيري فحدثتها ، فقالت : خذ هذا المبلغ وكان آلافا من الذّهب ، فامتنعت من أخذه ، فقالت : لا عليك إنّ أبي أمرني أن أدفع إليك ما تحتاج إليه من المال ، فأخذت المبلغ وتبضّعت به . قال : فلما كان بعد مدة قال لي أبوها : لعلك تريد العود إلى بلادك فإذا عزمت فسر بأهلك معك . قال : فجهّزت حالي وركبت بها وبأموالها البحر ونزلت اليمن ورزقني اللّه منها ولدين وهما معها باليمن قد تركتهم بخير وحججت ، فلم يتهيأ لي بيع بضائعي ، فجاورت هذا العام وعزمي أن أعود إليهم وآتي بهم ليحجّوا . قال الشّريف : فلما مضى العام عاد الرجل إلى اليمن وقدم مكة من قابل بأهله وولديه وخدمه وحشمه ، فجاور بهم عاما ثم أعادهم إلى اليمن وقال لي : أريد أن أعود إلى مصر وأتفقّد حال من تركته بها من عيال ، فأخذني معه وقدما القاهرة وقد نالني منه خير كثير ، فلقي الرجل أهله وأولاده ولم أشعر ذات يوم إلا وقد بعث إليّ بألف درهم فضة من نقد القاهرة وقال لي : ابعث إليّ بهذه الألف غدا على أنّها مهر ابنتي ، ففعلت ذلك وزوّجنيها وهي هذه التي في عصمتي أم أولادي هؤلاء . قال : ثم عاد الرجل إلى بلاد اليمن وقد بلغنا موته وجهّزت من يأخذ ميراث زوجتي من تركته ، وله غائب عنا عدة سنين ، فاتّفق موت الشّريف وموت زوجته المذكورة ولم يأت القاصد الذي بعثوه لأخذ الميراث خبر لهذا الشّريف الدّمشقي إلى الآن ، ذريته بالقاهرة رحمه اللّه .
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت ) — صفحة 97
مساهمون: المقريزي
ص٩٧