تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت ) — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
لي : أتعرف هذا ؟ قلت : نعم هذا مالي الذي أخذه السّرّاق ، قال : انظر فيه قد يكون تأخّر منه شيء ، فاعتبرته فلم أفقد منه شيئا ، فقال لي : خذ مالك ولا تبرح من عندنا ، فأخذت ذلك وصرت به إلى حيث أنزلني ، وأقمت في نعمته ألازم مجلسه كلّ ليلة ، فلما كان في بعض اللّيالي خطب خطبة النّكاح وأشهد عليه من حضر مجلسه أنّه زوّجني بابنته فلانة على مبلغ عظيم سمّاه وأنّه يحمل به عني في ذمّته ، فلم أجد بدّا من قبول النّكاح وداخلني من ذلك همّ لا يوصف وقلت في نفسي : لولا أنّ هذه بلا مبرّة وعذاب أليم ما أنكحنيها ، فإنّه على يقين من فاقتي وأنّي من جملة أتباعه وممن يشملني إحسانه وأعتدي بنعمته وأنّ الذي بيدي من المال لا يرتضيه لأقل عبيده فإنّه من سعة المال في غاية لا شيء وراءها ، ومع هذا كلّه فهذا المقدار الذي بيدي من المال إنّما هو من صدقاته عليّ فإنّه كان قد أخذه السّرّاق فلوفور حرمته وقوة شوكته وعظيم مكانته في بلده كان له من القدرة ما ألزم السّرّاق حتى أتوه بجميع ما أخذوه لي ، ثم أنعم هو به عليّ وتردّد هذا ونحوه في فكري أياما إلى أن كنت على عادتي مع جلسائه في مجلسه ليلا فأطعمنا على العادة وقمنا لنذهب ، فأشار إليّ فتأخرت دون الجماعة ، فأدخلني إلى داره فرأيت فيها من النّعم « 1 » وأنواع الأموال ما يدهش ، وخرجت عدة جواري ووصائف كثيرة وبينهن العروس قد زفّها إليّ ، فراعني جمالها وأخذ بقلبي حسنها ، فأوقفها بين يديه وقال لها وأنا معه : ألم أقل لك إنّي قد زوّجتك بهذا وأشار إليّ ؟ قالت : بلى ، قال : وما عرّفتك أنّه فقير لا مال له وأنّه غريب من بلادنا وأنّه يريد العود إلى بلاده وأنّك إذا سافر تذهبين معه وأنّه لا بدّ له أن يتزوج عليك ويتسرّى وأنّه إذا أراد التّسري تكونين أنت التي تشترين له بمالك السّرّية ؟ فقالت في كلّ ذلك : قد قلت لي هذا . فالتفت إليّ وقال : دونك أهلك وخرج عني فرأيت من أدب هذه المرأة وجميل أخلاقها ووفور عقلها ما لا حسبت أنّه يجتمع في امرأة سواها ، فأزلت
هامش
( 1 ) النعم : طيب العيش واتساعه .