ومات قاضيا يوم الأحد ثامن عشر شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثماني مائة عن نحو سبعين سنة ، وكان من أعيان الحنفية وعلمائهم بالفقه والأصول إلا أنه كان سئ السّيرة في استبداله بالأوقاف ، وقتل مع ذلك مسلما قتل نصرانيا ، فشنعت القالة عليه ، وتحدّث الناس بزوال الدّولة ، وكان كذلك ، ومات السّلطان من عامه وذهبت أمراؤه .
وأخبرني العبد الصالح أبو هاشم أحمد ابن البرهان أنه لمّا كان بحلب أعوام بضع وثمانين وسبع مائة اشتهر عن الجمال الملطي هذا أنه يفتي بإباحة أكل الحشيش وجواز الرّبا ويقول : من نظر في « صحيح البخاري » فهو زنديق ، قال : فجمعنا مجلس فيه الملطي المذكور وقاضي القضاة محب الدين محمد ابن الشّحنة فسمعته ينشد الملطيّ هذه الأبيات مشافهة منه له ولا يحتشم ، ثم قدّر اللّه أن ابن الشّحنة قدم القاهرة بعد ذلك ، فذكرت له هذا الخبر ، فأنشدنيها من نظمه وهي :
عجبت لشيخ يأمر الناس بالتّقى * وما راقب الرّحمن يوما وما اتّقى
يرى جائزا أكل الحشيشة والرّبا * وأن اتباع الوحي محضا تزندقا
فيا ليت شعري من تزندق منهما * أهذا ترى أم من رسولك صدّقا
ولقد رافقته وأنا ألي الحسبة فاجتمعنا بقصر السّلطان من قلعة الجبل لنهنّئه بغرّة شعبان سنة إحدى وثماني مائة وفي الجمع قاضي القضاة صدر الدين محمد المناوي والملطي وقاضي القضاة موفّق الدين أحمد بن نصر اللّه الحنبلي وقاضي العسكر جلال الدين عبد الرحمن ابن البلقيني وغير هؤلاء من الأعيان ، وكان السّلطان بداخل الدّور فو اللّه رب الأرض والسّماء لقد رأيت ومن حضر الملطي هذا وهو يغنّي ويتنتن ويجعل سبّابته على إبهامه ويحرّكها ولا يحتشم من ذلك ، فلقد رأيت قاضي القضاة صدر الدين وهو يتمعّر وجهه وأما أنا فعرقت من الخجل وهو متماد في غيّه حتى جاءنا الإذن فقمنا ودخلنا إلى السّلطان ولعمري إنها فعلة تسقط العدالة وتذهب بالمروءة وتزر بفاعلها ، فكيف إذا أضاف إليها أقبح منها ! وهو أول قضاة الشّرّ كان ببلدنا ، عاملهم اللّه بعدله .