الأمير سيف الدين إينال اليوسفي ، وهو يومئذ الأمير الكبير أتابك العساكر بدمشق ، وعليه إذ ذاك قباء بطراز ذهب ، فلمّا نزل عن فرسه وعبر يريد زيارة الشيخ تذكّر وهو في الدّهليز أن عليه قباء بطراز ذهب فألقاه عنه وعبر إلى الشيخ بكلفتاة بغير قباء خوفا منه ودخول الأمير على هذه الهيئة بغير قباء إذ ذاك عند أهل الدّولة ما لا يمكن فعله بحيث لو فعله أحد منهم لأدّب الأدب البالغ ، وكان لا يزال أبدا حوله سلاح ، وكلّ من دخل عليه من جليل أو حقير يقول له : بايعني على القيام بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، فيحتمل منه ذلك في طول السّنين ، ولو صدر هذا من أحد سواه لقتل بيد أهل الدّولة شرّ قتلة ، وبلغ من أمره أنّ رجلا التجأ إليه ممن كان يباشر المكوس بدمشق على أنه قد تاب ، فطلب منه أن يسلمه إلى أهل الدولة ، فقال : إن هذا قد استجار بنا وقد أجرناه ، فطال تردادهم إليه وهو يأبى أن يسلمه ، إلى أن اجتمع من غوغاء العامّة حول بستانه جمع كبير فأشرف من أعلاه ومعه أولاده وأخذ يردّهم وعرّفهم ما يجب من حرمة الجار ، فتناول واحد من العامّة حجرا ورجم به فأدمى وجه بعض أولاده ، فقال : الآن أذن لنا في القتال ، ولبس سلاحه ورماهم بالسّهام فرموه أيضا ، وعظم الأمر وصار الناس فريقين ، فريق معه وفريق عليه ، حتى صارت فتنة اقتضت مكاتبة السّلطان في أمره بما عظم من الخطب بسببه ، وكان إذ ذاك السّلطان الملك الصالح حاجّي ابن الأشرف شعبان وهو صغير والقائم بأمر الدّولة الأمير الكبير سيف الدين برقوق ، فورد جواب السّلطان الملك الصالح بطلب القونوي وإمضاء حكم الشّرع فيه ، فحضر نائب الشام وقضاة القضاة الأربع بجامع بني أميّة وحشر الناس من كل جهة بالجامع ثم بعثوا في طلب القونوي فامتنع من الحضور ، وكان المتوجّه إليه حاجب الحجّاب بدمشق ، فكثر اللّغط وارتفعت الأصوات وأراد الجماعة المتعصّبون عليه من العامّة والفقهاء وغيرهم أن يقتحموا البستان ويخرجوه كرها ، فقامت عصبته في منعهم ولم يبق إلا أن تقع الحرب بينهم ، فركب القاضي فتح الدين أبو بكر ابن
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت ) — صفحة 322
مساهمون: المقريزي
ص٣٢٢