البحار » في الفقه ، و « شرح مسلم » « 1 » . . .
وقدم من بلاد الرّوم إلى دمشق فانفرد بالمزّة خارج المدينة عن النّاس بأهله وولده ، وكان لا يجتمع بأحد إلا من يوم السّبت إلى يوم السّبت ، وما عدا يوم السّبت فإنه في خلوته على ما أقامه اللّه فيه من العبادة ، ولم يتلوّث بشيء من الدنيا لا بولاية وظيفة ولا بمتجر ولا بقبول برّ من أحد ، بل كان يعمل بنفسه وأولاده في البستان الذي به سكنه ، ويقيم منه رمقه ورمق عياله على سبيل الاقتصاد ، وذلك لشدّة ورعه وكثرة تحرّيه .
وكان شهما شجاعا ، مقداما ، قويا في ذات اللّه ، لا يهاب ملكا ولا أميرا ، شديد البطش ، مهابا ، لا يزال يأمر عظماء الدّول بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويصدع بالنكير عليهم من غير احتشام لهم ولا مراعاة ، بل يجيبهم بما لا يحتمل مثله من غيره ، بحيث إنّه كان يقول في الملأ لقاضي القضاة وليّ الدين عبد اللّه ابن قاضي القضاة بهاء الدين أبي البقاء الشافعي وهو قاضي القضاة بدمشق : أنت عبد الشّيطان ما أنت عبد اللّه ، ويكرّر ذلك بمواجهته مرارا إذا أتاه ، وصنّف في أنه عبد الشّيطان لا عبد اللّه مصنّفا ، ومع ذلك لا ينقطع عن زيارته ، وكان إذا عنّت لأحد حاجة وكتب فيها إلى الأمير سيف الدين بيدمر الخوارزمي نائب الشام قال في كتابه إليه : من محمد القونوي إلى بيدمر المكّاس ، أما بعد ، ثم يذكر الحاجة .
وترك شهود صلاة الجمعة سنين فلم يشهد جمعة ، قال لي العبد الصالح الدّاعي إلى اللّه أبو هاشم أحمد رحمه اللّه : قلت للشيخ شمس الدين محمد القونوي : لو نزلت فصلّيت الجمعة بالجامع الأموي لما كان بذلك بأس ، فقال : واللّه يا أحمد إذا رأيت المنكر أحمّ ، ثم إنه صار يقيم الجمعة في مكانه .
وأخبرني أبو هاشم رحمه اللّه أنه توجّه لزيارته مرة فصادف مجيء
هامش
( 1 ) في الأصل بعد هذا بياض قدر أربع كلمات .