ذلك بما ملأ به عينه ، فخرج من تلمسان في صورة مخامر على السّلطان ومعه أهله وولده حتى نزل بالبادية على أبي زيّان فسرّ بقدومه وأقام معه حتى وجد سبيلا إلى قتل أبي زيّان وأمكنته الفرصة فقتله في بيته وجهّز رأسه إلى ابن خولة بتلمسان فبعث بها إلى فاس ، فقدمت يوم الجمعة للنصف من شهر رمضان سنة ثمان وثماني مائة ، فطيف بها من باب الفتوح إلى أن دخل بها على السّلطان أبي سعيد وذلك في وزارة العائد عبد اللّه الطّريفي .
وأما محمد بن عمر الويعزاني فإنّه ظنّ أنّه إذا قتل أبا زيّان عظم قدره عند أخيه محمد بن خولة فانعكس أمله وخاب ظنّه وذلك أنّ ابن خولة قبض عليه وقطع رواهشه « 1 » وعذّبه بأنواع من العذاب حتى مات فخسر الدّنيا والآخرة .
وكان أبو زيّان ملكا جليلا فاضلا ، وقفت له على مصنّف بديع سماه « معارج الأسرار ومناهج الاستبصار المشتمل على كتاب الإشارة إلى حكم العقل بين النّفس المطمئنة والأمّارة » وهو بخطّه ، وكان يكتب الخطّ المليح وله النّظم والنّثر البديعان ، فمن ذلك قوله على ما نقلته من خطّه :
نلوم اللّيالي في الذي أحدث الدّهر * وما لليالي فيه نهي ولا أمر
وننسب للأيام جورا لحكمها * وما بيد الأيام نفع ولا ضرّ
ونعتب دنيانا على الهجر والنّوى * وما أن لديها لا فراق ولا هجر
ولكنّها الأقدار تجري إلى مدى * يحدّ لها إذ كلّ شيء له قدر
وما الدّهر إلا فانيا مع أهله * خلقنا جميعا للفنا نحن والدّهر
إذا كان حكم الموت حتما على الورى * فإنّ سواء طال أو قصر العمر
وإنّ المنايا لا تطيش * وليس يمنع من إصابتها حذر
ومن يرض حكم اللّه جلّ جلاله * يضاعف له فيما أصيب به الأجر
فتبّا لدنيا لا يدوم نعيمها * فنعماؤها بؤس ومعروفها نكر
هامش
( 1 ) الرواهش : عروق باطن الذراع أو ظاهر الكف .