كان أبوه من جملة المماليك السّلطانية ، واستقرّ بعده في خدمة السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون ، وأخذ في سلوك طريق الخير من صغره فقاده التّوفيق إلى الاجتماع برجل من أهل طريق اللّه يقال له عمر المغربي ، وكان قد ظهر بوجهه قوباء شوّهته فعند ما رآه الشيخ عمر استدناه ولحس بلسانه تلك القوباء فشفاه اللّه منها سريعا ، وكان إذ ذاك شابّا لم يلتح فأخذ في السّلوك على يد الشّيخ عمر حتى صار إماما يقتدى به في الزّهد والورع والمعارف الإلهية والعلوم الرّبانية من غير دعوى ، ولا تزيا بزي المرائين من أخذ السّبحة في اليد ولبس الصّوف المرقّع والتّميّس لصيد أبناء الدّنيا ، بل لم يزل على هيئة الأجناد مع الاقتصاد في الملبس والتّقنّع بيسير العيش ، ومحبة الانفراد عن النّاس ، واشتغاله بما يعنيه ويأبى اللّه إلا إظهاره فإذا عرف في مكان وأقبل النّاس إليه تحوّل عنه إلى غيره ، وإذا فضل عنه شيء تصدّق به في السّرّ حتى أنه كل قليل يخرج ما عنده من حصير أو ماعون ويؤثر به أهل الحاجة ، ولم يزل على ذلك حتى توفي يوم السبت السادس عشري شهر ربيع الأول سنة أربع وثماني ومائة عن أربع وثمانين سنة .
ومن كلامه : ما رأيت أورع من الشّيخ عمر ولا أكثر مهابة من السّلطان الملك النّاصر محمد بن قلاوون .
وقال : مشيت مع الشّيخ عمر لزيارة القرافة وكان وقت القائلة في يوم شديد الحرّ وهو حاف ، فكنت أمشي في ظلّ الطّريق وهو يمشي في الشّمس فقلت : يا سيدي المشي في هذا الحرّ الشّديد على هذه الرّمال الشّديدة الحرارة وأنت حاف يضرّ بالبصر ، فقال لي : يا عليّ القرافة مقبرة للمسلمين لا يملكها أحد ولا يحوز منها موضعا لنفسه ، وقد وضعت هذه التّرب بغير حق فكيف يحلّ أن يستظل بها .
قال : ونظر يوما إلى قوس قزح وقد اعترض في السّماء فقال لي :
يا عليّ إنّي لأعرف « 1 » من عباد اللّه من صلّى على هذا القوس ركعتين ، ثم
هامش
( 1 ) في الأصل : « لا أعرف » خطأ بين .