والحافظ زين الدّين عبد الرحيم العراقي في آخرين بالرّدّ على ابن العزّ ، فشاعت القضية بالقاهرة ودمشق وكثرت الشّناعة فيها ، فمضى ابن أيبك إلى ابن العزّ يلتمس منه أن يصانعه حتى يسكت عنه ويخفي الفتاوى ، فامتنع من مصانعته ومداراته ، فذهب يؤلّب عليه ويغري به من يعاديه حتى بلغ ذلك إلى الأمير الكبير برقوق القائم بالدّولة ، فأخذ مرسوم سلطاني إلى نائب الشّام يتضمن أنّ عليّ بن أيبك الشّاعر مدح النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم بقصيدة وأنّ صدر الدّين ابن العزّ أنكر عليه أمورا منها التّوسل بالنبيّ صلّى اللّه عليه وسلم والقدح في إطلاق عصمته من الكبائر والصّغائر وغير ذلك ، وأنّ علماء الدّيار المصرية من الحنفية وغيرهم أنكروا إنكاره فيعقد له مجلس بالعلماء والقضاة ويعمل معه ما يقتضيه الشّرع من تعزير وغيره ، فعقد المجلس وأحضر خطّ ابن العزّ فوجد فيه قوله : حسبي رسول اللّه ، هذا لا يقال إلا للّه تعالى ، قوله : اشفع لي ، هذا لا ينبغي لأنّه لا يشفع إلا بإذن اللّه تعالى ، قوله : توسلت به ، لا يتوسل إلا باللّه تعالى ، قوله : المعصوم من زلل ، يستثنى زلة العتاب وغير ذلك ، فسئل فاعترف فسئل هل تعتقد ذلك ؟ . قال : لا بل رجعت عن جميع ما كتبته ، فانفضّوا ثم عقد مجلس آخر حتى عقدت خمسة مجالس لكثرة تأليب عداه ، فانفصل الأمر على أن قال ابن العزّ : أنا ما أردت إلا المبالغة في تعظيم اللّه تعالى وتعظيم نبيّه صلّى اللّه عليه وسلم وامتثال أمره حيث قال : « لا تطروني » « 1 » ولم أرد ما فهمه من اعتراض عليّ ولا أعتقده شيئا من ذلك ، فقال الشّهاب الزّهري وهو فقيه الشّام إذ ذلك : هذا كاف في الاعتذار ولا يجب عليه شيء . فتمالأ كثير ممن حضر المجلس على أنّه لا بد من تعزيره ، فحكم بحبسه فحبس بالمدرسة العذراوية ثم سعى أعداؤه حتى نقل إلى قلعة دمشق فسجن بها ، ولم يقنعهم ذلك حتى سعوا فيه فسجن في برج بها .
هامش
( 1 ) هو حديث : « لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ، فإنما أنا عبده فقولوا :
عبد اللّه ورسوله » ؛ أخرجه البخاري 4 / 204 و 8 / 208 - 210 ، وهو قطعة من حديث طويل .